للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لكن إن علم الحاكم أن الحق بخلاف ما سمع فالواجب عليه التوقف في الحكم، وإحالة القضية إلى حاكم آخر ليكون هو شاهداً بما علم.

٥ - ومن فوائد الآية: تيسير الله سبحانه وتعالى على الحكام بين الناس، حيث لا يعاقبهم على الأمور الباطنة؛ وإلا لكان الحكام في حرج، ومشقة؛ وجه ذلك من الآية أن الحاكم إذا حكم بما ظهر له - وإن كان خلاف الواقع - فلا إثم عليه.

٦ - ومنها: أن من حُكم له بما يعتقد أنه حق فلا إثم عليه؛ لكن لو تبين له بعد الحكم أنه لا حق له وجب عليه الرجوع إلى الحق؛ مثاله: لو فرض أن غريمه أوفاه؛ لكنه ناسٍ، وحلف أنه لم يوفه، وحُكم له فلا إثم عليه؛ لكن متى ذكر أنه قد أوفي وجب عليه رد المال إلى صاحبه.

٧ - أجمع أهل السنة على أن من أكل مالا حرامًا ولو ما يصدق عليه اسم المال أنه يفسق، وقال بشر بن المعتمر في طائفة من المعتزلة: لا يفسق إلا بأكل مائتى درهم فما زاد، ولا يفسق بما دون ذلك، وقال الجبائي: يفسق بأكل درهم فما فوقه إلا بما دونه (١).

٨ - من الفوائد: أن "الحرام لا يصير حلالا بقضاء القاضي، لأنه إنما يقضي بالظاهر" (٢).

القرآن

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)} [البقرة: ١٨٩]

التفسير:

يسألك أصحابك -أيها النبي-: عن الأهلة وتغيُّر أحوالها، قل لهم: جعل اللهُ الأهلة علامات يعرف بها الناس أوقات عباداتهم المحددة بوقت مثل الصيام والحج، ومعاملاتهم. وليس الخير ما تعودتم عليه في الجاهلية وأول الإسلام من دخول البيوت من ظهورها حين تُحْرِمون بالحج أو العمرة، ظانين أن ذلك قربة إلى الله، ولكن الخير هو فِعْلُ مَنِ اتقى الله واجتنب المعاصي، وادخلوا البيوت من أبوابها عند إحرامكم بالحج أو العمرة، واخشوا الله تعالى في كل أموركم، لتفوزوا بكل ما تحبون من خيري الدنيا والآخرة.

اختلف في سبب نزول قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: ١٨٩]، على قولين (٣):

أحدهما: أنها "نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاريين قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يمتلئ نورا ثم يعود دقيقا كما بدأ ولا يكون على حالة واحدة؟ فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ} " (٤).

وقال الواحدي: " قال معاذ بن جبل: يا رسول الله إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٥).

والثاني: قال ابن عباس: "سأل الناسُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس}، يعلمون بها حَلّ دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم" (٦). وروي عن قتادة (٧)، والربيع (٨)، وابن جريج (٩)، نحو ذلك.


(١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢١.
(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٣٨.
(٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٥٣ وما بعدها، وأسباب النزول: ٥٣.
(٤) أخرجه ابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عباس انظر الدر المنثور للسيوطي ١/ ٤٩٠، وذكره في العجاب عن اكلبي، انظر: العجاب: ١/ ٤٥٤ وذكره مقاتل بن سليمان في تفسيره.: ١/ ١٦٥.
(٥) أسباب النزول: ٥٣.
(٦) أخرجه الطبري (٣٠٧٣): ص ٣/ ٥٥٤.
(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٠٦٧): ص ٣/ ٥٥٣.
(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٠٦٨): ص ٣/ ٥٥٣.
(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٠٧٠): ص ٣/ ٥٥٣ - ٥٥٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>