والثاني: على جهة اللهو واللعب، كالذي يُؤْخَذُ في القمار والملاهي ونحوها، كلُّ ذلك من أكل المال الباطل.
قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: ١٨٨]، أي: وأنتم تعلمون" أنكم مبطلون تأكلون الحرام" (١).
قال سعيد بن جبير: " يعني تعلمون أنكم تدعون الباطل" (٢).
قال الثعلبي: أي: " إنكم مبطلون" (٣).
قال القرطبي: "أي "بطلان ذلك وإثمه، وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية" (٤).
قال الزمخشري: " ولاريب بأن "ارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح، وصاحبه أحق بالتوبيخ" (٥).
قال ابن عباس: "فهذا في الرجل يكون عليه مالٌ، وليس عليه فيه بيِّنة، فيجحد المال، فيخاصمهم فيه إلى الحكام وهو يعرف أنّ الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم: آكلٌ حراما" (٦).
وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إنما أنا بَشَر، وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار، فَلْيَحْملْهَا، أو ليذَرْها" (٧).
قال ابن كثير: "فدلت هذه الآية الكريمة، وهذا الحديث على أنّ حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يُحلّ في نفس الأمر حرامًا هو حرام، ولا يحرم حلالا هو حلال، وإنما هو يلزم في الظاهر، فإن طابق في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجرُه وعلى المحتال وزْره؛ ولهذا قال تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا} [أي: طائفة] {مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجون في كلامكم" (٨).
وفي قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: ١٨٨]، معنيان (٩):
أحدهما: وأنتم تعلمون أنها للناس.
والثاني: وأنتم تعلمون أنها إثم.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: تحريم أكل المال بالباطل؛ و «الباطل» كل شيء ليس لك به حق شرعاً.
٢ - ومنها: حرص الشارع على حفظ الأموال؛ لقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}؛ ولأن الأموال تقوم بها أمور الدين، وأمور الدنيا، كما قال تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً} [النساء: ٥].
٣ - ومنها: تحريم الرشوة؛ لقوله تعالى: {وتدلوا بها إلى الحكام} على أحد التفسيرين، كما سبق.
٤ - ومنها: أن الحاكم يحكم بما ظهر له - يعني يقضي بما سمع -؛ كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع» (١٠)؛ لقوله تعالى: {وتدلوا بها إلى الحكام}؛ وهذه فيمن يدعي ما ليس له، ويخاصم، ويقيم بينة كذباً؛ أو يجحد ما عليه، ويخاصم، ويحلف كاذباً؛ كل هذا من الإدلاء بها إلى الحكام؛
(١) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.
(٢) اخرجه ابن أبي حاتم (١٧٠٥): ص ١/ ٣٢٢.
(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٤.
(٤) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٤٠.
(٥) تفسير الكشاف: ١/ ٢٣٣.
(٦) تفسير الطبري (٣٠٥٩): ص ٣/ ٥٥٠.
(٧) صحيح البخاري برقم (٢٤٥٨، ٦٩٦٧) وصحيح مسلم برقم (١٧١٣) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.
(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢١.
(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٤٩.
(١٠) أخرجه أحمد ٦/ ٣٠٧، حديث رقم ٢٧١٥٣، واللفظ له؛ وأخرجه البخاري ص ٥٨١، كتاب الحيل، باب ١٠: حديث رقم ٦٩٦٧؛ وأخرجه مسلم ص ٩٨١، كتاب الأقضية، باب ٣: بيان أن حكم الحاكم لا يغير الباطن، حديث رقم ٤٤٧٣ [٤] ١٧١٣.