للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التاسع: خمسمائة ذراع وصححه ابن عبد البر (١).

وإذا ما رجعنا إلى الأقوال المشهورة أو المصححة وهى الأقوال المنسوبة إلى النووي والخرشي وابن عبد البر، فإننا نجد أن أصح هذه الأقوال -من حيث مطابقته للواقع-: هو قول الخرشي. ونبين ذلك فيما يلي:

أ- طول المسافة على ما قاله النووي -إذا عرفنا أن الذراعين يقدران بمتر واحد، وأنّ كل ألف متر تقدر بكيلو متر واحد- هو ١٢٧ كم (سبعة وعشرون ومائة كيلو متراً).

ب- وعلى ما قاله الخرشي فإن طول المسافة هو ٨٤ كم (أربعة وثمانون كيلو متراً).

جـ- وعلى ما صححه ابن عبد البر يكون طول المسافة هو (١٢) كم (اثنا عشر كيلو متراً).

وإذا ما راجعنا هذه الأطوال على العلامات المادية التي ضبطت عليها المسافة التي أنيطت بها الرخصة، وهى من مكة إلى جدة، ومن مكة إلى الطائف، ومن مكة إلى عسفان، فإننا نجد أن المسافة مقدرة الآن بين مكة وجدة بـ ٧٥ كيلو متراً (خمسة وسبعون) كيلومتراً، وبين مكة وعسفان بحوالي ٨٠ كم (ثمانون) كيلومتراً، وبين مكة والطائف من ٨٠ إلى ٨٥ كم (من ثمانين إلى خمسة وثمانين) كيلومتراً.

وإذا لاحظنا الاتساع العظيم لمكة وجدة، مما جعل العمران يزحف إلى الطريق الموصل بينهما فيقتطع منها حوالي ١٠ كم عشرة كيلومترات؛ أي خمسة من كل ناحية، إذا عرفنا ذلك: وجدنا أن أمثل الأقوال هنا في تحديد مقدار الميل: هو قول الخرشي.

وبناء على هذا فإنه يمكننا القول: بأن المسافة التي تناط بها رخصة الفطر والقصر هي ٨٤ كم (أربعة وثمانون) كيلو مترا أو ما يقاربها. والله أعلم.

ثالثا: - الحائض والنفساء:

إذا حاضت المرأة أو نفست: أفطرت، فإن صامت لم يجزئها، فقد أجمع أهل العلم على أن الحائض والنفساء، لايحل لهما الصوم، وأنهما يفطران رمضان ويقضيان، وأنهما إذا صامتا لم يجزئهما الصوم، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: "كنا نحيض على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (٢)، والأمر إنما هو للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أليس إذا حاضت لم تصلِ ولم تصم" (٣)، والحائض والنفساء سواءٌ؛ لأن دم النفاس هو دم الحيض، وحكمه حكمه، ومتى وُجدَ الحيض أو النفاس في جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم، سواء وجد في أوله بعد طلوع الفجر أو في آخره، قبل غروب الشمس، ولو صامت الحائض أو النفساء مع علمها بتحريم ذلك أثمت ولم يجزئها (٤).

وإذا طهرت الحائض أو النفساء في أثناء نهار رمضان لم يصحَّ صومها بقيةَ اليوم؛ لوجود ما ينافي الصيام في حقها في أول النهار، وعليها الإمساك بقية اليوم في أصح قولي العلماء؛ لزوال العذر الشرعي الذي أبيح لها الفطر من أجله" (٥)، وإذا طهرت الحائض أو النفساء في الليل في رمضان ولو قبل الفجر بلحظة وجب


(١) انظر هذه الأقول وغيرها في نيل الأوطار جـ ٣ ص ٢٣٣ مطبعة مصطفى الحلبي الطبعة الأخيرة. والمجموع جـ ٤ ص ١٩٠ وحاشية الرهوني على الزرقاني جـ ٢ ص ١٢٢.
(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الحيض، باب لا تقضي الحائض الصلاة، برقم ٣٢١، ومسلم، كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، برقم ٣٣٥.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، برقم ٣٠٤ ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، برقم ١٣٢ - (٨٠)، ورواه مسلم أيضاً عن ابن عمر رضي الله عنهما، برقم ٧٩.
(٤) المغني لابن قدامة، ٤/ ٣٩٧.
(٥) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى، في إمساك الحائض إذا طهرت، أثناء النهار على قولين:
القول الأول: يلزمها الإمساك بقية اليوم؛ لزوال العذر الشرعي، وهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وعليه أكثر أصحابه، وهو مذهب الحنابلة، والحنفية، وقال به الثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح؛ لأنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا طرأ أوجب الإمساك. قال شيخنا ابن باز رحمه الله: "عليها الإمساك في أصح قولي العلماء، بزوال العذر الشرعي، وعليها قضاء ذلك اليوم، كما لو ثبت رؤية رمضان نهاراً؛ فإن المسلمين يمسكون بقية اليوم، ويقضون ذلك اليوم عند جمهور أهل العلم، ومثلها المسافر إذا قدم في أثناء النهار في رمضان إلى بلده؛ فإن عليه الإمساك في أصح قولي العلماء؛ لزوال حكم السفر مع قضاء ذلك اليوم والله ولي التوفيق". [مجموع فتاوى ابن باز، ١٥/ ١٩٣]. قال ابن مفلح رحمه الله: "وإذا طهرت حائض أو نفساء، أو قدم مسافر، أو أقام مفطر، أو برئ مريض مفطراً لزمهم الإمساك على الأصح". [كتاب الفروع لابن مفلح، ٤/ ٤٣١]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فأما من يجب عليه القضاء إذا زال عذره في أثناء اليوم مثل: الحائض تطهر، والمسافر يقدم، والمريض يصح؛ فإن القضاء يجب عليهم رواية واحدة؛ لوجود الفطر في بعض اليوم، وينبغي لهم الإمساك أيضاً". [شرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٥٧ – ٥٩]. [وانظر: فتاوى اللجنة الدائمة، ١٠/ ٢١٠، وفتاوى رمضان لأشرف عبد المقصود، نقلاً عن اللجنة الدائمة، الفتوى رقم ١٩٥٤، ١/ ٣٢٤]، والمقنع والشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ٣٦١ - ٣٦٣].
القول الثاني: لا يلزمها الإمساك، وهو رواية عن الإمام أحمد، وإليه ذهب مالك والشافعي، وذكر عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، وهذا القول الذي يرجحه ابن عثيمين رحمه الله في مؤلفاته، كالشرح الممتع، ومجموع الفتاوى. والصواب القول الأول. والله تعالى أعلم. [انظر: المقنع والشرح الكبير، ٧/ ٣٦١، ٣٦٣، والشرح الممتع،
٦/ ٣٤٤، ومجالس رمضان، لابن عثيمين، ص ٩٢ - ٩٣].

<<  <  ج: ص:  >  >>