وجود السيارات؛ فإن هذا قد يفضي إلى التساهل، حتى يفطر في ضواحي البلد، واليومان: هي سبعون كيلو أو ثمانون كيلو تقريباً" (١). وقال رحمه الله أيضاً: "وقال بعض أهل العلم: إنه يحدد بالعرف ولا يحدد بالمسافة المقدرة بالكيلوات، فما يُعدُّ سفراً في العرف يُسَمَّى سفراً، وما لا فلا، والصواب ما قرره جمهور أهل العلم، وهو التحديد بالمسافة التي ذكرت (٢)، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم (٣)، فينبغي الالتزام بذلك " (٤)، والله أعلم (٥).
وأما المسافة الني تناط بها الرخصة، فيقدر البريد بأربعة فراسخ، والفرسخ يقدر بثلاثة أميال. وعلى ذلك فتكون المسافة مقدرة بثمانية وأربعون ميلاً، و (الميل) - وهو فارسي معرب- فقد اختلف في تقديره اختلافا كبيرا وفيما يلي إشارة إلى أهم أقوال العلماء في بيانه وما شهر أو صحح منها وبيان المراد منه بالمتر المعروف الآن:
القول الأول: الميل: هو منتهى مدّ البصر من الأرض؛ لأن البصر يميل عن وجه الأرض حتى يفنى إدراكه وبذلك جزم الجوهري.
الثاني: أن ينظر إلى شخص بعيد يقف على أرض مستوية فلا يدرى أرجل هو أو امرأة.
الثالث: ما قاله النووي: أنه ستة آلاف ذراع والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة معتدلة، وشهر هذا القول الحافظ ابن حجر ثم قال: قد حرر بذراع الحديد المشهور في مصر والحجاز في هذه الأعصار، فوجد ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن. فعلى هذا: يكون الميل -بذراع الحديد في القول المشهور-خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعاً.
الرابع: هو اثنا عشر ألف قدم بقدم الإنسان.
الخامس: هو أربعة آلاف ذراع.
السادس: ثلاثة آلف وخمسمائة ذراع، قاله الخرشي، وصححه بعض العلماء.
السابع: ثلاثة آلاف ذراع.
الثامن: ألفا ذراع.
(١) عن د. سعيد، قال: سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٥٧. (٢) المسافة: جاء تحديد المسافة من فعل ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - كما تقدم بأربعة برد: جمع بريد، والبريد مسيرة نصف يوم، وسُمِّيَ بريداً؛ لأنهم كان فيما مضى إذا أرادوا المراسلات السريعة يجعلونها في البريد، فيرتبون بين كل نصف يوم مستقراً ومستراحاً يكون فيه خيل إذا وصل صاحب الفرس الأول إلى هذا المكان نزل عن الفرس؛ لتستريح وركب فرساً آخر إلى مسيرة نصف يوم، فيجد بعد مسيرة نصف يوم مستراحاً آخر فيه خيل ينزل عن الفرس التي كان عليها ثم يركب آخر وهكذا، لأن هذا أسرع، وفي الرجوع بالعكس، فالبريد عندهم مسيرة نصف يوم، فتكون الأربعة البرد مسيرة يومين، وقَدَّرُوا البريد بالمسافة الأرضية بأربعة فراسخ، فتكون أربعة برد ستة عشر فرسخاً، والفرسخ قدَّروه بثلاثة أميال، فتكون ثمانية وأربعين ميلاً، والميل من الأرض منتهى مد البصر؛ لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه، والميل كيلو وستين في المائة أي ١٦٠٠ م، فأربعة برد= ١٦٠٠×٤٨ ميلاً = ٧٦,٨ كيلو. وقد ثبت أن ابن عباس رضي الله عنهما كما تقدم أنه قال: "لا تقصر إلى عرفة وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان، والطائف، وجدة"، والمسافة بين مكة والطائف ٨٨ كيلو، وبين مكة وجدة ٧٩. فإذا قصد المسافر هذه المسافة فله أن يأخذ برخص السفر عند الجمهور. وأما في الزمن فقيل: إن مسيرته يومان قاصدان بسير الإبل المحملة، "قاصدان" يعني معتدلان، بمعنى أن الإنسان لا يسير منها ليلاً ونهاراً سيراً بحتاً، ولا يكون كثيرا النزول والإقامة، فهما يومان قاصدان. [الشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٤٩٥ - ٤٩٦، وانظر: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٥٦٧]. (٣) أما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فاختار: أنه لا حد للسفر بالمسافة بل كل ما يُعدُّ سفراً في العرف، ويتزود له الإنسان ويبرز للصحراء؛ لأنه يحتاج إلى حمل الزاد والمزاد، فهو سفر، ورجح هذا جمع من أهل العلم، منهم العلامة ابن عثيمين، واختاره ابن قدامة في المغني، وقال شيخنا ابن باز: "الأولى في هذا أن ما يُعدُّ سفراً تلحقه أحكام السفر ... "، ولكنه يرجح قول الجمهور احتياطاً للعبادة. [انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٤/ ١١ – ١٣٥، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٥/ ٢٥٢ - ٤٥١، والاختيارات للسعدي، ص ٦٥، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٥٦٧]. (٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٥٦٧، وانظر: مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١٠/ ٢٠٣. (٥) وقد نقلت كلام أهل العلم في هذه المسألة في كتاب صلاة المؤمن، ١/ ٦٧٤ - ٦٨٣ في المتن والحواشي، فليراجعه من شاء.