للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

- ... ومن رأى أنها من باب الرواية، أجاز الاستفادة بخبرة الكافر، والمرأة، واكتفى بواحد. وهو اختيار آخرين، كابن القيم (١)، وبعض المالكية (٢)، وذهب إليه جمعٌ من العلماء المعاصرين (٣).

وفيما يظهر أن الشرطين الأولين كافيان، وهما الصدق والأمانة، والحذق والمهارة، ولا يضير بعد ذلك كونه كافراً، أو امرأة، أو واحداً، وما من شك أن الطبيب المسلم أفضل، واتفاق طبيبين أبلغ من الواحد، وأبعد عن الغلط والوهم.

ولا يخفى ما في اشتراط هذه الشروط مجتمعة، من ضيق وعنت، لا يقوى عليه كثيرٌ من المفتين، فضلاً عن المرضى المحتاجين لمن يرشدهم، ويبين لهم الحكم اللائق بحالتهم المرضية، وكيف نطالبهم وهم على هذه الحال من الضعف، بطبيبين رجلين مسلمين، مع ما هو معلوم من انتشار مهنة الطب والتمريض بين النساء، وندرة توافر طبيبين يعاينان حالة واحدة من المرضى.

فهذا النبي صلى الله عليه وسلم استعان بخبيرٍ كافر، في ظرفٍ حالك، وأمرٍ عصيب، ولم يمنعه كفره، من الاستعانة به، والوثوق برأيه، وذلك عندما هاجر من مكة إلى المدينة.

فقد أخرج البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر، استأجر رجلاً هادياً خرّيتاً، والخريت: الماهر بالهداية، وهو على دين كفار قريش، فأمِنَاه؛ فدفعا إليه راحلتيهما، فأخذ بهم أسفل مكة، وهو طريق الساحل" (٤).

ويظهر من الحديث، أهمية شرطي: (الصدق والأمانة، والحذق والمهارة).

بقي أن يُضاف هنا، أن الطبيب يمكن له مع إنارة الطريق للمفتي؛ أن يرشد المريض بنفسه، إذا كان لديه من العلم الشرعي في مجال الصيام والرُّخص الشرعية، ما يؤهّله لذلك، فمن المتقرر عند المحققين من أهل العلم جواز تجزؤ الاجتهاد، ولا شك أن إسناد الحكم الشرعي إلى أهله أولى، مُكتفين من أهل الطب والتطبيب؛ تبصيرَ المفتين والفقهاء، بما يحتاجونه من دقائق المهنة الطبية وتفاصيلها، في الحالات المرضية التي تتطلب بيان حكم فقهي، أو فتوى شرعية.

وإنما قصدت من هذه الإضافة؛ لفت انتباه الباحثين، وأنظار المجتهدين، إلى أن ثمة حالات قد تضيق على المريض المستفتي، ولا يجد أمامه من خيار سوى استفتاء الخبير، وهو الطبيب المختص، وهذا يجعل التبعة على الأطباء الفضلاء أكبر، في سعيهم إلى التفقه في شرع الله تعالى، ما يكفي تأهيلهم لذلك، مُستشعرين مكانتهم، وحاجة الناس لهم.

ثَانِيًا: السَّفَرُ:

السُّفْر جمع سافر، والمسافرون جمع مسافر، والسفر والمسافرون، بمعنىً. وسُمِّيَ المسافر مسافراً؛ لكشفه قناع الكنِّ عن وجهه، ومنازل الحضر عن مكانه، ومنزل الخفض عن نفسه، وبروزه إلى الأرض الفضاء، وسُمِّيَ السفر سفراً؛ لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيُظهِر ما كان خافياً منها (٥).


(١) الطرق الحكمية (ص ١٢٨).
(٢) عقد ابن فرحون باباً في القضاء بقول رجل بانفراده، وما يجري مجرى ذلك، وفرّع تحته جملة من الصور، منهم بعض الخبراء (كالطبيب، والمترجم، والخارص، والملاح ... ). ينظر: تبصرة الحكام (١/ ٢٢٩ - ٢٣٥).
(٣) كالشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله في الشرح الممتع (٦/ ٣٢٩) والاستدلال الآتي بحديث البخاري منه، وهو ظاهر اختيار سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، واللجنة الدائمة للفتوى، وهيئة كبار العلماء في السعودية في قرارٍ لها، ونصت في أحد مضامينه، على الاستناد على خبر طبيب أمين حاذق، في إمكانية الصيام من عدمه. ينظر: فتاوى ابن باز (١٥/ ٢٩٦). ولم تذكر غيره من قيود.
(٤) رقم (٢٢٦٣). وتبويب البخاري يدل على أن ذلك إنما جاز للضرورة، حيث بوّب فقال: (بابٌ: استئجار المشركين عند الضرورة، أو إذا لم يوجد أهل الإسلام، وعامل النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر).
(٥) لسان العرب لابن منظور، باب الراء، فصل السين، ٤/ ٣٦٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>