فظهر أن السفر: قطع المسافة، سُمِّيَ بذلك؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، ومنه قولهم: سفرت المرأة عن وجهها: إذا أظهرته، والسفر: هو الخروج عن عمارة موطن الإقامة قاصداً مكاناً يبعد مسافة يصحُّ فيها قصر الصلاة (١).
وقيل: السفر لغة: قطع المسافة.
وشرعاً: هو الخروج على قصد مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فما فوقها بسير الإبل، ومشي الأقدام (٢). والمسافر: هو من قصد سيراً وسطاً ثلاثة أيام ولياليها وفارق بيوت بلده (٣).
والسفر أنواع:
أ- سفرٌ حرامٌ، وهو أن يسافر لفعل ما حرمه الله، أو حرمه رسوله - صلى الله عليه وسلم -، مثل: من يسافر للتجارة في الخمر، والمحرمات، وقطع الطريق، أو سفر المرأة بدون محرم (٤).
ب- سفر واجب، مثل السفر لفريضة الحج، أو السفر للعمرة الواجبة، أو الجهاد الواجب.
ج- سفر مستحب، مثل: السفر للعمرة غير الواجبة، أو السفر لحج التطوع، أو جهاد التطوع.
د- سفر مباح، مثل: السفر للتجارة المباحة، وكل أمر مباح.
هـ- سفر مكروه، مثل: سفر الإنسان وحده بدون رفقة، إلا في أمر لا بد منه (٥)؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكبٌ بليلٍ وحده" (٦).
فهذه أنواع السفر التي ذكرها أهل العلم، فيحرم على كل مسلم أن يسافر إلى سفر محرم، وينبغي له أن لا يتعمَّد السفر المكروه، بل يقتصر في جميع أسفاره على السفر الواجب، والسفر المستحب، والمباح، وله أن يأخذ برخص السفر من: الفطر في شهر رمضان، وقصر الصلاة، وغير ذلك من الرخص التي شرعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (٧).
ويشترط في السفر المرخص في الفطر ما يأتي:
أ - أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ طَوِيلا مِمَّا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ.
(١) معجم لغة الفقهاء، للدكتور محمد روَّاس، ص ٢١٩.
(٢) التعريفات للجرجاني، ص ١٥٧.
(٣) المرجع السابق، ص ٢٦٦.
(٤) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١١٥، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٤٩٢.
(٥) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ١١٤ - ١١٧، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٤٩١ - ٤٩٢.
(٦) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب السير وحده، برقم ٢٩٩٨ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٧) اختلف العلماء رحمهم الله في نوع السفر الذي تختص به رخص السفر، من: الفطر في رمضان، والقصر، والجمع، وصلاة النافلة على الراحلة، وصلاة المتنفل الماشي، والمسح على الخفين، والعمائم، والخمار ثلاثة أيام بلياليها، وترك الرواتب، وترك بعض الأعمال المستحبة التي يشغل عنها في السفر، على أقوال على النحو الآتي:
القول الأول: رخص السفر تكون في السفر الواجب، والمندوب، والمباح، أما السفر المحرم والمكروه، فلا تباح فيه هذه الرخص.
القول الثاني: لا يترخص برخص السفر إلا في الحج والعمرة، والجهاد؛ لأن الواجب لا يترك إلا لواجب، أما السفر المحرم والمكروه والمباح فلا.
القول الثالث: لا يأخذ برخص السفر إلا في سفر الطاعة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قصر في سفر واجب أو مندوب.
القول الرابع: ذهب الإمام أبو حنيفة، وشيخ الإسلام بن تيمية، وجماعة كثيرة من العلماء إلى أنه يجوز القصر والفطر، وجميع رخص السفر حتى في السفر المحرم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعاً في جنس السفر، ولم يخص سفراً دون سفر، وهذا القول هوالصحيح؛ فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر". [مجموع الفتاوى، ٢٤/ ١٠٩، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١١٥ - ١١٧، والأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص ١١٠، والكافي لابن قدامة، ١/ ٤٤٧، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٥/ ٣٠ - ٣٤، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٤٩٣، والفتاوى له، ١٥/ ٢٦٠، ٢٧٤ - ٢٨١. قلت: لكن من قصد بسفره التحيل على الفطر، فالفطر عليه حرام، ولايجوز له ذلك؛ لأن الحيل لاتبيح المحرمات، ولا تبطل الواجبات، فيحرم السفر؛ لأنه وسيلة إلى الفطر، ويحرم الفطر لعدم العذر. [حاشية الروض المربع لابن قاسم، ٣/ ٣٧٥]. قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: "لا يجوزللإنسان أن يتحيَّل على الإفطار في رمضان بالسفر؛ لأن التحيل على إسقاط الواجب لا يسقطه، كما أن التحيل على المحرم لا يجعله مباحاً ". [مجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٩/ ١٣٣].