ومن ذلك ما طرأ في الطب الحديث، من كثير من الأدوية والعقاقير، وما حصل أيضاً من تنوّع للأمراض وتجددها، وتفاوت أحوالها من حيث الخطورة والتوسط والاعتدال، مما لا يمكن معها إصدار وصفٍ منضبطٍ لها من غير الأطباء المتخصصين في هذه المجالات.
وقد ذهب كثير من الباحثين المعاصرين، إلى أن الأمر في ذلك يعود لتقدير الطبيب ورأيه، في كثير من الحالات، مهما أصدرنا أحكاماً إجمالية، أو أُطراً عامة (١)، وهذا حق، لا ينبغي أن يكون مجالاً للخلاف عليه، فالحكم على المريض بأن الصوم يضره، أو يؤثر فيه؛ يحتاج إلى طبيب عالج ذات المريض، وتابع حالته التي هو عليها، فتلك قضايا أعيان وأفراد.
يقول أحد الباحثين الأطباء، بعد أن فصّل أحوال مريض السكري مع الصيام:"وبصفة عامة، فإن السماح بالصيام أو عدمه، إضافة إلى تنظيم الدواء وأوقات تناوله، يعود إلى الطبيب المعالج دون غيره (٢).
وقال بعد أن تحدث عن حال الحامل والمرضع مع الصيام: "لا يمكن إطلاق قول حاسم على كل الحوامل والمرضعات، بحيث نقول: إن هناك حامل أو مرضع تستطيع الصيام، وأخرى لا تقدر عليه" (٣).
وقال في خاتمة جزلة لبحثه: "إن تقرير إمكانية الصيام أو عدمه ليس بالأمر السهل، ولا يمكن تقرير قواعد عامة لجميع المرضى، بل ينبغي بحث كل مريض على حدة، ولا يتيسّر ذلك الأمر إلا للطبيب المسلم المختص" (٤).
وكل ما تقدم يأكّد شأن الرجوع إلى الطبيب، واعتبار قوله، والاستناد إلى رأيه واجتهاده.
إلا أن ذلك ليس حكماً مطلقاً، بل لا بد من توافر شروط، إذا قامت في الطبيب، وجب الرجوع له، منها:
١ - الصدق والأمانة.
٢ - الحذق والمهارة.
٣ - الإسلام (٥).
٤ - الذكورة (٦).
٥ - العدد (٧).
ومنشأ الخلاف في المسائل المتقدمة (٨): هل (الخبرة) من باب الشهادة أم الرواية؟ .
- ... فمن ذهب إلى أنها من باب الشهادة اشترط لها الإسلام، والذكورية، والعدد اثنين، وقال بهذا بعض العلماء (٩).
(١) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (٢/ ١٨٥، ٢٧٥، ٢٨٠، ٢٨١، ٤١٣). وكان مفتي الديار السعودية، ورئيس قضاتها، سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله (ت ١٣٨٩ هـ)، ممن يرجع إلى أهل الخبرة من الأطباء، بل وينقض أحكام من دونه من القضاة، مستنداً إلى رأي الأطباء. يراجع: فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (١١/ ٢٢٣ - ٢٢٥). (٢) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (٢/ ٢٧٥) بحث د. حسان شمسي باشا، وكذلك كتابه: الدليل الطبي والفقهي للمريض في شهر الصيام (ص ٩٠). (٣) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (٢/ ٢٨٠) السابق. (٤) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (٢/ ٢٨١) السابق. (٥) وقيل: لا يشترط أن يكون مسلماً، فيجوز ولو كان كافراً. (٦) وقيل: لا تشترط الذكورة، فتكفي الطبيبة. (٧) وقيل: لا يشترط العدد، فيكفي فيه الواحد. (٨) نظر تحريرٌ لهذه المسألة، في أول فرقٍ من كتاب الفروق للقرافي (١/ ٤ - ١٧)، حيث جعل الخبر ثلاثة أقسام: ١ - رواية محضة؛ كالأحاديث النبوية. ٢ - شهادة محضة؛ كإخبار الشهود عن الحقوق. ٣ - مركب من الشهادة والرواية. وجعل تحت القسم الثالث عدداً من الصور، منها بعض الخبراء، وسبب الخلاف فيها هذا التركيب. (٩) ينظر: تبصرة الحكام (٢/ ٢١) وتبعه في معين الحكام (ص ١١٧)، المغني (١٤/ ٢٧٣ - ٢٧٤). وتخففوا من هذه الشروط عند الضرورة.