للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لمن مرضه يسير ولا يحصل به أدنى الضرر الذي يُزال، ولأنه شاهد للشهر لا يؤذيه الصوم فلزمه كالصحيح، قال الإمام النووي: "وأما المرض اليسير الذي لا يلحق به مشقة ظاهرة لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا خلافاً لأهل الظاهر" (١)، وقال ابن قدامة: "والمرض المبيح للفطر هو الشديد الذي يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه" (٢).

ب- أن يشق (٣) عليه الصوم ولا يضره، فهذا يكره له أن يصوم ويسن له الفطر وهذا قول الجمهور (٤)، ويكره له الصوم مع المشقة؛ لأنه خروج عن رخصة الله تعالى، وتعذيب لنفسه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يحب أن تُؤتَى رخصُه كما يكره أن تؤتى معصيته" (٥).


(١) المجموع شرح المهذب: ٦/ ٢٥٧.
(٢) المغني لابن قدامة: ٣/ ٤١.
(٣) وفي صيام العمال إذا شق عليهم العمل:
- قال ابن عثيمين رحمه الله: عليهم أن يصوموا وأن يستعينوا بالله عز وجل، فمن استعان بالله أعانه الله، فإذا رأوا أثناء النهار عطشاً يضرهم، أو يكون سبباً في هلاكهم فلا حرج عليهم أن يفطروا للضرورة، ولكن خير من هذا أن يتفقوا مع الكفيل، أو صاحب العمل على أن يكون عملهم في رمضان ليلاً، أو بعضه في الليل وبعضه في أول النهار، أو أن يخفف من ساعات العمل حتى يقوموا بالعمل والصيام على وجه مريح. انظر مجموع فتاوى (١٩/ ٨٩)
- وقال ابن باز: وأصحاب الأعمال الشاقة داخلون في عموم المكلفين، وليسوا في معنى المرضى والمسافرين، فيجب عليهم تبييت نية صوم رمضان، وأن يصبحوا صائمين، ومن اضطر منهم للفطر أثناء النهار فيجوز له أن يفطر بما يدفع اضطراره، ثم يمسك بقية يومه ويقضيه في الوقت المناسب، ومن لم تحصل له ضرورة وجب عليه الاستمرار في الصيام، هذا ما تقتضيه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وما دل عليه كلام المحققين من أهل العلم من جميع المذاهب، وعلى ولاة أمور المسلمين الذين يوجد عندهم أصحاب أعمال شاقة كالمسألة المسئول عنها أن ينظروا في أمرهم إذا جاء رمضان فلا يكلفوهم من العمل- إن أمكن- ما يضطرهم إلى الفطر في نهار رمضان بأن يجعل العمل ليلا أو توزع ساعات العمل في النهار بين العمال توزيعا عادلا يوفقون به بين العمل والصيام انتهى. (مجموع فتاوى: ١٥/ ٢٤٥.
أما صيام الحامل والمرضع:
يباح للحامل والمرضع الفطر في رمضان والدليل: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْكَعْبِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ رواه الترمذي (٧١٥) وابن ماجه واللفظ له (١٦٦٧) حديث حسن قال الألباني إسناده حسن صحيح، وقال الترمذي: " حديث حسن وصححه ابن خزيمة وحسنه الأرنؤوط
واختلف العلماء فيما يجب عليها إذا أفطرتا على خمسة أقوال:
القول الأول: (قَالَ) ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يُفْطِرَانِ وَيُطْعِمَانِ - مكان كل يوم مسكينًا - وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا ينظر المجموع (٦\ ٢٦٩) وهو اختيار العلامة الألباني، ودليلهم: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْعَجُوزِ، الْكَبِيرَةِ فِي ذَلِكَ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ، أَنْ يُفْطِرَا إِنْ شَاءَا وَيُطْعِمَا كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: ١٨٥] فَثَبَتَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَالْعَجُوزِ الْكَبِيرَةِ، إِذْا كَانَا لَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ، وَالْحُبْلَى، وَالْمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا رواه البيهقي (١٣٥١) "وصححه الألباني في الإرواء (٤\ ١٨) وأجيب عن ذلك قال شيخنا مصطفى العدوي قلت: هذا رأي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن الآية غير منسوخة، بل باقية للشيخ الكبير والحامل والمرضع إلا أن هذا الرأي من حبر الأمة رضي الله عنه رأي مرجوح لأمرين: أولهما: أن جمهور الصحابة خالفوه في ذلك فورد عنهم أن الآية منسوخة الثاني: أنه على فرض أن الآية لم تنسخ فالآية لفظها [٠٠٠ يطيقونه] وابن عباس يقرؤها يُطَوَّقُونَهُ - ينظر صحيح البخاري (٤٥٠٥) - والقراءة التي بها ابن عباس شاذة، كما بين ذلك غير واحد من أهل العلم ينظر أحكام النساء (٢\ ٤٠٠)
القول الثاني: (وَقَالَ) عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ يُفْطِرَانِ وَيَقْضِيَانِ وَلَا فِدْيَةَ كَالْمَرِيضِ واختاره ابن المنذرينظر المجموع (٦\ ٢٦٩) ورجحه ابن باز وابن عثيمين رحمهم الله ودليلهم: قال تعالى {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ] سورة البقرة ١٨٤] فالحامل والمرضع في حكم المريض قال ابن قدامة في المغني (٣\ ١٥٠) وَلَنَا أَنَّهُمَا يُطِيقَانِ الْقَضَاءَ، فَلَزِمَهُمَا، كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، وَالْآيَةُ أَوْجَبَتْ الْإِطْعَامَ، وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْقَضَاءِ، فَأَخَذْنَاهُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ. وَالْمُرَادُ بِوَضْعِ الصَّوْمِ وَضْعُهُ فِي مُدَّةِ عُذْرِهِمَا، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ». وَلَا يُشْبِهَانِ الشَّيْخَ الْهَرِمِ، لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْقَضَاءِ، وَهُمَا يَقْدِرَانِ عَلَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ: أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. يَعْنِي وَلَا أَقُولُ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ فِي مَنْعِ الْقَضَاءِ.
وقال ابن باز رحمه الله في مجموع فتاوى (١٥\ ٢٢٣) حكم الحامل التي يشق عليها الصوم حكم المريض، وهكذا المرضع إذا شق عليها الصوم تفطران وتقضيان؛ لقول الله سبحانه: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وذهب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن عليهما الإطعام فقط. والصواب الأول؛ لأن حكمهما حكم المريض؛ لأن الأصل وجوب القضاء ولا دليل يعارضه. ومما يدل على ذلك ما رواه أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع» رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربع بإسناد حسن. فدل على أنهما كالمسافر في حكم الصوم تفطران وتقضيان انتهى
وقال ابن عثيمين رحمه الله يلزمها القضاء فقط دون الإطعام وهذا القول أرجح الأقوال عندي؛ لأن غاية ما يكون أنهما كالمريض، والمسافر، فيلزمهما القضاء فقط، وأما سكوت ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن القضاء فلأنه معلوم. وأما حديث: «إن الله تعالى وضع الصيام عن الحبلى والمرضع» فالمراد بذلك وجوب أدائه، وعليهما القضاء. ينظر الشرح الممتع (٦\ ٣٥٠)
القول الثالث: (وَقَالَ) الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ يُفْطِرَانِ وَيَقْضِيَانِ وَيَفْدِيَانِ – أي أطعام كل يوم مسكينا -: وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ ينظر المجموع (٦\ ٢٦٩) قال شيخنا ولا أعلم دليلا على هذا المذهب
القول الرابع: (وَقَالَ) مَالِكٌ الْحَامِلُ تُفْطِرُ وَتَقْضِي وَلَا فِدْيَةَ والمرضع تفطر وتقضى وتفدى ينظر المجموع (٦\ ٢٦٩).
القول الخامس: ليس عليهما قضاء ولا إطعام: وهو مذهب ابن حزم وهو الراجح ودليله: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْكَعْبِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ سبق تخريجه قال ابن حزم: وَإِذْ هُوَ فَرْضٌ فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُمَا الصَّوْمُ، وَإِذَا سَقَطَ الصَّوْمُ فَإِيجَابُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمَا شَرْعٌ لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى الْقَضَاءَ إلَّا عَلَىلْمَرِيضِ، وَالْمُسَافِرِ، وَالْحَائِضِ، وَالنُّفَسَاءِ، وَمُتَعَمِّدِ الْقَيْءِ فَقَطْ، ٠٠٠ وَأَمَّا تَكْلِيفُهُمْ إطْعَامًا فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ إيجَابُ غَرَامَةٍ لَمْ يَأْتِ بِهَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ. ينظر المحلى (٤\ ٤١١) وقال شيخنا مصطفى العدوي بعد أن نقل أقوال العلماء ومن أدلة هؤلاء – أي ابن حزم- أن الذمة بريئة ما دام لم يأت نص ملزم لها بشيء، ولما لم يأت نص ملزم بشيء قلنا ببراءة ذمتها من أي شيء، وأيضا قال النبي صل الله عليه وسلم - ذكر حديث الكعبي السابق – فدل ذلك على أن الصوم قد وضع عن الحامل والمرضع والمسافر، ولا يقال هنا إننا نقيسهما على المسافر فكما أن المسافر يقضي فكذلك الحامل والمرضع تقضيان، وذلك لأن المسافر إنما لزمه القضاء بنص خارج عن الحديث ألا وهو قوله تعالى: [فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخير] (سورة البقرة ١٨٤) أما الحامل والمرضع فأين الملزم لهما؟ ثم إنه بإمعان النظر في الحديث نفسه: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ - نرى أن المسافر إذا قصر الصلاة في السفر لا يطالب – بعد رجوعه – بإتمام ما كان حذفه من ركعات، فليقل كذلك: إن الحامل والمرضع لا يلزمان بقضاء ما فعلتاه من إفطار، والله أعلم انظر أحكام النساء (٥/ ٢٢٤)
فائدة: لو استؤجرت المرأة لإرضاع غير ولدها، أو أرضعته تقربا إلى الله، فإنه يباح لها الفطر، ويكون حكمها حكم المرضع لولدها، والخلاف فيها كما سبق. والله تعالى أعلم.
(٤) انظر: تفسير الشوكاني: ١/ ٢٣٣.
(٥) أحمد، ٢/ ١٠٨، وابن حبان في صحيحه، برقم ٢٧٤٢، وابن خزيمة، برقم ٩٥٠، واللفظ لأحمد، وهو من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وصححه الألباني في حاشيته على صحيح ابن خزيمة، الحديث رقم ٩٥٠، وفي إرواء الغليل، برقم ٥٦٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>