قال ابن حزم رحمه الله:"واتفقوا على أن المريض إذا تحامل على نفسه فصام أنه يجزِئه، واتفقوا على أن من آذاه المرض وضَعُف عن الصوم فله أن يفطر"(١).
ج- إذا كان المرض يضرَّهُ الصوم، فيجب عليه الفطر، ولا يجوز له الصوم؛ فإذا كان الصوم يضره فإن الصوم حرام، والفطر واجب لقول الله تعالى:{وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}[النساء: ٢٩]، وقوله - عز وجل -: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}[البقرة: ١٩٥]؛ والنهي هنا يشمل إزهاق الروح، ويشمل ما فيه الضرر، والدليل على أنه يشمل ما فيه الضرر، حديث عمرو بن العاص - رضي الله عنه - إذ يقول:" احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا "(٢).
(١) مراتب الإجماع لابن حزم، ص ٧١، وانظر المغني لابن قدامة، ٤/ ٤٠٣. (٢) رواه أبو داود (٣٣٤) في الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم، والحاكم ١/ ١٧٧ كلاهما من طريق وهب بن جرير بن حازم، قال: أخبرنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب، به، وأخرجه أيضا أبو داود رقم ٣٣٥، والحاكم ١/ ١٧٧ من طريق ابن لهيعة وعمرو ابن الحارث، عن يزيد ابن أبي حبيب، بهذا الإسناد. وقال فيه: "عن عبد الرحمن ابن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص - وذكره الحديث نحوه. وهذا الحديث علقهُ البُخاري بصيغة التمريض (يُذكر) وقد وصلهُ أشار الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - لوصلهِ عند الحاكم مِنْ وجهٍ ورواهُ عبد الرزاق بوجهٍ أخر وهذا الحديث اختلف فيه على يزيد بن أبى حبيب عن عمران بن أنس عن عبد الرحمن فرواه عنه يحيى بن أيوب هكذا وخالف عمرو بن الحارث سندا ومتنا: أما السند فزاد بين عبد الرحمن وعمر وأبا قيس مولى عمرو، وأما المتن فقال بدل التيمم: فتوضأ وغسل مغابنه» ووافق يحيى بن أيوب عليه ابن لهيعة عند إسحاق بن راهويه وأخرجه أحمد بالسند الأول، وأخرجه ابن حبان بالسند الثاني، وأخرجه بالسندين الحاكم والدارقطني. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وفي هذا الحديث جواز التيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك سواء كان لأجل برد أو غيره، وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين" [فتح الباري " (١/ ٤٥٤)]. وصححه الإمام الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣٢٣). وقال الزرقاني في شرحه على الموطأ (٢٢٣/ ١) ... وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ. وهذا ما سُئل عنهُ الإمام مالك في شرح الزرقاني: " وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَيَمَّمَ أَيَؤُمُّ أَصْحَابَهُ وَهُمْ عَلَى وُضُوءٍ؟ قَالَ: يَؤُمُّهُمْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ وَلَوْ أَمَّهُمْ هُوَ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا) أَيْ أَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَدَلِيلُ الْجَوَازِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ «عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ أَنْ أَغْتَسِلَ فَأَهْلَكُ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ " فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي عَنِ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: ٢٩] (سُورَةُ النِّسَاءِ: الْآيَةُ ٢٩) فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا"أهـ. وقال الراجحي في شرح سنن أبي داود (١١/ ٢٢): (حديث عمرو بن العاص هذا لا بأس بسنده). وينظر لتخريج أحاديث الكشاف باب سورة النساء لجمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي تحقيق شيخنا المُحدث عبد الله السعد فقال في تعليقهِ على الرواية (٣٠٨/ ١): قلت رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه فِي كتاب الْجِهَاد من حَدِيث يَحْيَى بن أَيُّوب عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عمرَان بن أبي أنس عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير بِهِ وَعمْرَان بن أنس وَيُقَال ابْن أبي أنس قَالَ البُخَارِيّ فِيهِ مُنكر الحَدِيث انْتَهَى. وَالْخلاف فِيهِ عَلَى يزِيد بن أبي حبيب فروَى عَنهُ يَحْيَى بن أَيُّوب هَكَذَا عبد الرَّحْمَن عَن عَمْرو وَرَوَى عَنهُ عَمْرو بن الْحَارِث عبد الرَّحْمَن عَن أبي قيس عَن عَمْرو عبد الرَّحْمَن بن جُبَير عَن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمت فِي لَيْلَة بَارِدَة فِي غَزْوَة ذَات السلَاسِل فَأَشْفَقت أَن أَغْتَسِل فَأهْلك فَتَيَمَّمت ثمَّ صليت بِأَصْحَابِي الصُّبْح فَذكرُوا ذَلِك للنَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَقَالَ يَا عَمْرو وَصليت بِأَصْحَابِك وَأَنت جنب فَأَخْبَرته بِالَّذِي مَنَعَنِي من الِاغْتِسَال وَقلت إِنِّي سَمِعت الله يَقُول وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما فَضَحِك رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَلم يقل شَيْئا. وَذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه تَعْلِيقا فَقَالَ بَاب الْجنب إِذا خَافَ عَلَى نَفسه الْمَرَض أَو الْمَوْت أَو الْعَطش تيَمّم وَيذكر عَن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه أجنب فِي لَيْلَةبَارِدَة فَتَيَمم وتلا وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما فَذكر للنَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَلم يعنف انْتَهَى. وَسَنَد أبي دَاوُد هَذَا فِيهِ انْقِطَاع لِأَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير لم يدْرك عَمْرو ابْن الْعَاصِ فَلذَلِك سَاقه أَبُو دَاوُد من طَرِيق أُخْرَى مُتَّصِلَة عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير عَن أبي قيس مولَى عَمْرو أَن عَمْرو ... فَذكر الحَدِيث نَحوه إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ فَغسل مغابنه وَتَوَضَّأ للصَّلَاة ثمَّ صَلَّى بهم وَلم يذكر التَّيَمُّم وَفَاتَ الْمُنْذِرِيّ هَذَا الْمَعْنى فِي مُخْتَصره فَأَهْمَلَهُ وَالله أعلم. وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بالسند الْمُنْقَطع وَمَتنه سَوَاء وَرَوَاهُ بالسند الْمُتَّصِل ابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي النَّوْع الْخمسين من الْقسم الرَّابِع وَكَذَلِكَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه قَالَ صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ وَعِنْدِي أَنَّهُمَا عَلَّلَاهُ بِحَدِيث جَابر بن حَازِم عَن يَحْيَى بن أَيُّوب عَن يزِيد لم يذكر أَبَا قيس قَالَ وَحَدِيث جرير لَا يُعلل حَدِيث عَمْرو الَّذِي وَصله بِذكر أبي قيس فَإِن أهل مصر أعرف بِحَدِيثِهِمْ من أهل الْبَصْرَة انْتَهَى كَلَامه وَرَوَاهُ بالسندين والمتنين الْمَذْكُورين الدَّارَقُطْنِي ّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا وَالطَّبَرَانِي ّ فِي مُعْجَمه وَرَوَاهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده بالسند الْمُتَّصِل من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير عَن أبي قيس مولَى عَمْرو بن الْعَاصِ عَن عَمْرو بن الْعَاصِ ... فَذكره وَقَالَ فِيهِ فَتَيَمَّمت ثمَّ صليت بهم ... إِلَى آخِره. وَله طرق أُخْرَى مِنْهَا طَرِيق عِنْد الْبَيْهَقِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة فِي بَاب غَزْوَة ذَات السلَاسِل من طَرِيق الْوَاقِدِيّ حَدثنِي أَفْلح بن سعيد عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن رُقَيْش عَن أبي بكر بن حزم قَالَ كَانَ عَمْرو بن الْعَاصِ حِين قَفَلُوا احْتَلَمَ فِي لَيْلَة بَارِدَة فَقَالَ لأَصْحَابه مَا ترَوْنَ قد وَالله احْتَلَمت وَإِن غْتَسَلت مت لم أجد بردا مثله وَقد قَالَ تَعَالَى وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما فَضَحِك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَلم يقل شَيْئا انْتَهَى طَرِيق آخر رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه فِي التَّيَمُّم أخبرنَا ابْن جريج أَخْبرنِي إِبْرَاهِيم بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ عَن أبي أُمَامَة بن سهل بن حنيف وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه أَصَابَته جَنَابَة وَهُوَ أَمِير الْجَيْش فَترك الْغسْل من أجل أَنه قَالَ إِن اغْتَسَلت مت فَصَلى بِمن مَعَه جنبا فَلَمَّا قدم عَلَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عرفه بِمَا فصل وَأَنْبَأَهُ بِعُذْرِهِ فَأقر وَسكت انْتَهَى وَمن طَرِيق عبد الرَّزَّاق رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه طَرِيق آخر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه من حَدِيث يُوسُف بن خَالِد السَّمْتِي ثَنَا زِيَاد بن سعد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَن عَمْرو بن الْعَاصِ كَانَ فِي سفر ... فَذكر الحَدِيث. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن عدي فِي الْكَامِل وَأعله بِيُوسُف بن خَالِد السَّمْتِي وَضَعفه عَن البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن معِين وَوَافَقَهُمْ وَأَغْلظ فِيهِ القَوْل وَقَالَ إِن أهل بَلَده أَجمعُوا عَلَى كذبه] أهـ. والله أعلى وأعلم. وفي موضوع الحديث (التيمم) نورد أقوال بعض العلماء للفائدة: - قال شمس الحق آبادي – رحمه الله – في شرح حديث عمرو بن العاص -: " فيه دليل على جواز التيمم عند شدة البرد من وجهين: الأول: التبسم والاستبشار، والثاني: عدم الإنكار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على باطل، والتبسم والاستبشار أقوى دلالة من السكوت على الجواز. - وقال الخطابي: فيه من الفقه أنه عليه السلام جعل عدم إمكان استعمال الماء، كعدم عين الماء، وجعله بمنزلة من يخاف العطش ومعه ماء فأبقاه ليشربه وليتيمم به خوف التلف. - وقال ابن رسلان في " شرح السنن ": لا يتيمم لشدة البرد مَن أمكنه أن يسخن الماء أو يستعمله على درجة يأمن الضرر، مثل أن يغسل عضواً ويستره، وكلما غسل عضواً ستره ودفَّاه مِن البرد: لزمه ذلك، وإن لم يقدر: تيمم وصلَّى في قول أكثر العلماء " انتهى من " عون المعبود " (١/ ٣٦٥). - وقال الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-: "إن كنت تستطيع أن تجد ماء دافئا أو تستطيع تسخين البارد، أو الشراء من جيرانك أو غير جيرانك: فالواجب عليك أن تعمل ذلك؛ لأن الله يقول: (فاتَّقوا الله ما استَطَعْتُم)، فعليك أن تعمل ما تستطيع من الشراء أو التسخين أو غيرهما من الطرق التي تمكنك من الوضوء الشرعي بالماء، فإن عجزت وكان البرد شديداً، وفيه خطر عليك، ولا حيلة لك بتسخينه ولا شراء شيء من الماء الساخن ممن حولك: فأنت معذور، ويكفيك التيمم؛ لقول الله تعالى: (فاتَّقوا الله ما استَطَعْتُم) وقوله سبحانه: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْه} ُ والعاجز عن استعمال الماء حكمه حكم من لم يجد الماء." ({مجموع فتاوى ابن باز: ١٠/ ١٩٩، ٢٠٠). - وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -: " فأقره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك ولم يأمره بالإعادة؛ لأن مَن خاف الضرر كمن فيه الضرر، لكن بشرط أن يكون الخوف غالباً أو قاطعاً، أما مجرد الوهم فهذا ليس بشيء " انتهى من " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (١٢/ ٤٠٢).