للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد ذكر قال العلماء بأن المرض نوعان على النحو الآتي:

النوع الأول: المريض الذي يُرجى برؤُ مرضِه، رخص الله له في الفطر، وأوجب عليه قضاء الأيام التي أفطرها؛ لقول الله - عز وجل -: {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٤]؛ ولقوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٥].

والمريض في شهر رمضان له أربعة حالات:

أ- المريض مرضاً يسيراً لا يلحقه فيه ضرر ولا مشقة، فيجب عليه الصوم؛ لأنه ليس له عذر يبيح له الفطر، لعدم لحوق المشقَّة والضرر مع قيامه؛ إذ هما المُبيحان للفطر، وذلك مثل الزكام اليسير، أو الصداع اليسير، أو وجع الضرس وما أشبه ذلك، فهذا لا يحل له أن يفطر (١)، لأن الله عز وجل عندما رخص للصائم في الفطر ذكر العلة بقوله عز وجل: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: ١٨٥]، فأي تيسير يحصل


(١) وإن كان بعض العلماء يقول: يحل له لعموم الآية {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا} [البقرة: ١٨٥] ولكننا نقول: إن هذا الحكم معلل بعلة، وهي أن يكون الفطر أرفق به فحينئذ نقول له الفطر، أما إذا كان لا يتأثر فإنه لا يجوز له الفطر ويجب عليه الصوم.
ويرى بعض العلماء بأن المريض، مهما كان مرضه وجب عليه أن يفطر، وإن صام بالرغم من مرضه وجب عليه القضاء بعدة من أيام أخر تساوي عدد أيام صيامه أثناء مرضه في رمضان. وصيامه هذا في رمضان لا يصح، وبالتالي فهو لاغي، ولذلك يجب إعادة الصوم مرة أخرى. نقل هذا الرأي الألوسي ونسبه إلى مذهب الظاهرية، كما قال: إن هذا الرأي تمت نسبته أيضاً إلى ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم جميعا. كما قاله أيضا الإمامية. (انظر: تفسير الألوسي، نقلا عن جامع التفاسير، جريدة النور، السنة الرابعة، العدد ١٥٧، ٢١ جمادى الآخرة ١٤٠٥ هـ، ١٣ مارس ١٩٨٥ مـ، ص ـ ١٢٠٩ ١٢١٠).
وذكره الطبري منسوبا إلى عمر بن الخطاب عن طريق ابن كلثوم عن أبيه كلثوم. (انظر: تفسير الطبري، جامع التفاسير، انظر مرجع ٦ عدد ١٥٥ ص - ١١٩٥ - ١١٩٨ وعدد ١٥٨ ص - ١٢١٦ - ١٢٢٠).
وألمح إليه الشيخ محمد عبده في تفسيره. (انظر: تفسير القرآن الحكيم، تفسير المنار، محمد عبده ومحمد رشيد رضا، القاهرة: دار المنار، الطبعة الثانية، ١٣٥٠ هـ جزء واحد ص -١٤٣ - ١٦٥، ١٨٣ - ١٨٥).
ولم أتمكن من العثور على هذا الرأي في كتاب المحلى لابن حزم الظاهري (٤) أبو محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهري (٣٨٤ - ٤٥٦ هـ): المحلى. القاهرة: مطبعة الإمام بتصحيح محمد خليل هراس المجلد الثالث الجزء السادس، ص ٤٧٧ - ٤٩٤، مسائل ٧٣٥ - ٧٣٨) بدون تاريخ نشر).
أما استناد العلماء في رخصة الإفطار لكل مرض مهما كان طفيفا فيكون من خلال وجهين:
١ - هناك من لاحظ عدم وجود توجيه من الرسول صلى الله عليه وسلم خاص بالمرض فقاس المرض على السفر، وبناء عليه أشار بالفطر لعلة المرض أي أية حال تستحق اسم المرض، وإن لم تدع هذه الحال للفطر بالضرورة. قاله القرطبي وانحاز إليه ونقله عن ابن سيرين. (انظر: تفسير القرطبي. القاهرة: دار الشعب. الناشر دار الريان للتراث طبعة خاصة بتصريح من دار الشعب جزء أول صـ ١٧١ - ١٧٢ جزء ٢ ص ٦٥٢ (بدون تاريخ نشر).
وقد تحمس لهذا الرأي بشدة صاحب ظلال القرآن، لأن النص القرآني مطلق، والأقرب إلى المفهوم الإسلامي، والمرض في ذاته هو المبيح للفطر لا شدته، ولا يصح لإنسان أن يتأول حكمة الله في الفطر، هذه الحكمة التي لم يكشف عنها. كما أن احتمال أن يسوق هذا الترخيص المسلمين إلى إهمال العبادات المفروضة لأدنى سبب لا يبرر التقييد فيما أطلقه النص، ولا يمكن لدين أن يقود الناس بالسلاسل إلى الطاعات.
وذهب إلى هذا الرأي صاحبا تفسير أبو السعود والتفسير الواضح. (انظر: تفسير أبو السعود والواضح: وجامع التفاسير، ص ١٢٠٩ و ١٢١٤).
٢ - الفطر لأتفه الأسباب المرضية: وقد روى جماعة من العلماء حادثتين على سبيل المثال:
الحادثة الأولى: عن محمد بن سيرين الذي دخل عليه طريف بن تمام العطاردي في رمضان وهو يأكل. فلما فرغ قال: أنه وجعت إصبعي هذه. ذكرها مفصلة القرطبي. وأشار إليها الألوسي وابن كثير والفخر الرازي.
والحادثة الثانية: عن البخاري، فصلها أيضا القرطبي، أن البخاري قال: اعتللت بنيسابور علة خفيفة، وذلك في شهر رمضان، فعادني إسحاق بن راهوية في نفر من أصحابه فقال لي: أفطرت يا أبا عبد الله؟ فقلت نعم فقال خشيت أن تصفصف عن قبول الرخصة. فقلت: حدثنا عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال قلت لعطاء: من أي المرض أفطر؟ قال: من أي مرض كان، كما قال الله تعالى: { ... فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا ... } [البقرة: ١٨٤]

<<  <  ج: ص:  >  >>