يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية (١)، وكان هذا في أول الأمر عند الأكثر، ثم نسخ وصارت الفدية للعاجز إذا أفطر (٢)، وقد تقدم في الصيام (٣) حديث ابن أبي ليلى قال: "حدثنا أصحاب محمد لما نزل رمضان شق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم ممن يطيقه، ورخص لهم في ذلك، فنسختها:{وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}، وأما على قراءة ابن عباس فلا نسخ؛ لأنه يجعل الفدية على من تكلف الصوم وهو لا يقدر عليه فيفطر ويكفر، وهذا الحكم باق"(٤).
واختلف في نسخ وحكم قوله تعالى:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}[البقرة: ١٨٤]، وفيه ثلاثة أقوال (٥):
أحدها: أنه كان ذلك في أول ما فرض الصوم، وكان من أطاقه من المقيمين صامَه إن شاء، وإن شاء أفطره وَافتدى، فأطعم لكل يوم أفطره مسكينًا، حتى نُسخ ذلك، وقد قال بكونها منسوخة جمع من العلماء (٦).
وهذا قول عن علقمة (٧)، وعكرمة (٨)، والحسن البصري (٩)، والأعمش (١٠)، وابن عمر (١١)، والشعبي (١٢)، وعطاء (١٣)، وابن شهاب (١٤)، وابن عباس (١٥)، وسلمة بن الأكوع (١٦)، وابراهيم (١٧)، وابن سيرين (١٨)، والضحاك (١٩).
والثاني: أن لقوله: {وَعلى الذينَ يُطيقونه فدية طعامُ مسكين}، حُكمًا خاصًّا للشيخ الكبير والعجوز الذين يُطيقان الصوم، كان مرخصًا لهما أن يَفديا صومهما بإطعام مسكين ويفطرا، ثم نسخ ذلك بقوله:{فمن شَهد منكم الشهرَ فليصمه}، فلزمهما من الصوم مثل الذي لزم الشاب إلا أن يعجزا عن الصوم، فيكون ذلك الحكم الذي كان لهما قبلَ النسخ ثابتًا لهما حينئذ بحاله.
(١) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ١١٢، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٥٢، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٣٥، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٣٨، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٨٦، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٢٨٨، وغيرها. (٢) هذا مشكل على القول بنسخ الآية-وهو ظاهر كلام الحافظ هنا-إن كان المراد أن الفدية صارت على العاجز إذا أفطر بنص الآية لأنه لا نسخ حينئذ، وتكون الآية محكمة مخصوصة بالعاجز الذي لا يرجى برؤه. أما إن كان المراد أن الفدية صارت للعاجز بدليل غير الآية كما ثبت من قول كثير من الصحابة أو بالإجماع كما حكاه الرازي في تفسيره: ٥/ ٨٦ فلا إشكال، والله أعلم. (٣) البخاري-فتح-: ٤/ ٢٢١. (٤) الفتح: ٨/ ٢٩. (٥) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٤١٨ ومابعدها. (٦) منهم: قتادة في كتابه الناسخ والمنسوخ: ٤٠، والزهري في كتابه: الناسخ والمنسوخ: ١٦، وابن الجوزي في: المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ: ١٧، وابن البازري في: ناسخ القرآن ومنسوخه: ٢٥، وابن سلامة في: الناسخ والمنسوخ: ٤٣ - ٤٤، والنحاس في: الناسخ والمنسوخ: ١/ ٤٩٤ - ٤٩٦، ومكي في: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: ١٤٩، وابن العربي في: أحكام القرآن: ١/ ٧٩، والزجاج في: معاني القرآن: ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣، وابن جرير في: جامع البيان: ٣/ ٤٣٤، وابن كثير في: تفسيره: ١/ ٢٦٧، وغيرهم. وهذا القول هو الأظهر، قال أبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ٣٦ بعد إيراده للأقوال في الآية: (والظاهر من هذه الأقوال: القول الأول، وذلك أن الله تعالى لما ذكر فرض الصيام على المؤمنين قسمهم قسمين: متصف بمظنة المشقة وهو المريض والمسافر، فجعل حكم هذا أنه إذا أفطر لزمه القضاء، ومطيق للصوم فإن صام قضى ما عليه، وإن أفطر فدى ثم نسخ هذا الثاني). (٧) انظر: تفسير الطبري (٢٧٣٦): ص ٣/ ٤٢٠. (٨) انظر: تفسير الطبري (٢٧٣٧): ص ٣/ ٤٢٠. (٩) انظر: تفسير الطبري (٢٧٣٧): ص ٣/ ٤٢٠. (١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٧٣٩): ص ٣/ ٤٢٠. (١١) انظر: تفسير الطبري (٢٧٤٠): ص ٣/ ٤٢٠ - ٤٢١. (١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٧٤٢)، و (٢٧٤٣): ص ٣/ ٤٢١ - ٤٢٢. (١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٧٤٤): ص ٣/ ٤٢٢. (١٤) انظر: تفسير الطبري (٢٧٤٥): ص ٣/ ٤٢٢. (١٥) انظر: تفسير الطبري (٢٧٤٦): ص ٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣. (١٦) انظر: تفسير الطبري (٢٧٤٧): ص ٣/ ٤٢٣. (١٧) انظر: تفسير الطبري (٢٧٤٩): ص ٣/ ٤٢٤. (١٨) انظر: تفسير الطبري (٢٧٥٠): ص ٣/ ٤٢٤. (١٩) انظر: تفسير الطبري (٢٧٥١): ص ٣/ ٤٢٤.