وهذا مذهب ابن عباس (١)، وعكرمة (٢) -في أحد قوليه- وقتادة (٣)، والربيع (٤)، وخالفهم الأكثرون (٥).
والثالث: أنه لم ينسخ ذلك ولا شيء منه، وهو حكم مثبتٌ من لَدُنْ نزلت هذه الآية إلى قيام الساعة، وقالوا: إنما تأويل ذلك: وعلى الذين يطيقونه - في حال شبابهم وَحداثتهم، وفي حال صحتهم وقوتهم - إذا مَرضوا وكبروا فعجزوا من الكبر عن الصوم، فدية طعام مسكين لا أنَّ القوم كان رُخِّص لهم في الإفطار - وهم على الصوم قادرون - إذا افتدوا. وهذا قول السدي (٦)، وابن عباس (٧) في أحد قوليه، وسعيد بن مسيب (٨).
والرابع: إنه الشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذان قد كبرا عن الصوم، فهما يكلفان الصوم ولا يطيقانه، فلهما أن يفطرا ويطعما مكانَ كلّ يوم أفطراه مسكينًا. وقالوا: الآية ثابتة الحكم منذ أنزلت، لم تنسخ، وأنكروا قول من قال: إنها منسوخة. وهذا قول ابن عباس (٩)، وعلي (١٠)، وعكرمة (١١)، وطاوس (١٢)، والضحاك (١٣)، وعطاء (١٤)، وسعيد بن جبير (١٥).
والراجح أن قوله تعالى {وَعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين}، هو تيسير من الله تعالى على عباده وتدرج في فرض الصوم، والمعنى أن الذين يستطيعون الصوم إذا أفطروا فإن عليهم فدية، وكان هذا في أول الأمر حيث جعل الله تعالى الصيام على التخيير من شاء صام، ومن شاء أفطر وفدى، فمعنى الآية: وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية، ثم نسخت (١٦) هذه الآية في قول جمهور أهل العلم بقوله تعالى {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، ويدل على هذا المعنى ما رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع (١٧). والله تعالى أعلم.
(١) انظر: تفسير الطبري (٢٧٥٢)، و (٢٧٥٣): ص ٣/ ٤٢٥. (٢) انظر: تفسير الطبري (٢٧٥٤): ص ٣/ ٤٢٦. (٣) انظر: تفسير الطبري (٢٧٥٥): ص ٣/ ٤٢٦. (٤) انظر: تفسير الطبري (٢٧٥٦): ص ٣/ ٤٢٦. (٥) كابن مسعود ومعاذ بن جبل وسلمة بن الأكوع وابن عمر وعكرمة والشعبي والزهري وعلقمة والضحاك، انظر: جامع البيان للطبري: ٣/ ٤١٨ - ٤٢٤، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٨٦، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٣٨، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٦، وغيرها. (٦) انظر: تفسير الطبري (٢٧٥٧): ص ٣/ ٤٢٧. (٧) انظر: تفسير الطبري (٢٧٥٨)، و (٢٧٥٩): ص ٣/ ٤٢٧ - ٤٢٨. (٨) انظر: تفسير الطبري (٢٧٦٤): ص ٣/ ٤٢٩. (٩) انظر: تفسير الطبري (١٧٦٥)، و (٢٧٦٦)، و (٢٧٦٧)، و (٢٧٦٨): ص ٣/ ٤٢٩ - ٤٣٠. (١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٧٨٤): ص ٣/ ٤٣٣. (١١) انظر: تفسير الطبري (٢٧٨٧): ص ٣/ ٤٣٣. (١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٧٩٠): ص ٣/ ٤٣٤. (١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٧٩١): ص ٣/ ٤٣٤. (١٤) انظر: تفسير الطبري (٢٧٨٩): ص ٣/ ٤٣٣. (١٥) انظر: تفسير الطبري (٢٧٧٠): ص ٣/ ٤٣٠. (١٦) قال الطبري: " إن قوله تعالى {وَعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين}، منسوخٌ بقول الله تعالى ذكره: {فمن شَهد منكم الشهر فَليصمه}، لأن " الهاء " التي في قوله: " وَعلى الذين يُطيقونه "، من ذكر " الصيام " ومعناه: وعلى الذين يطيقون الصيام فدية طعامُ مسكين. فإذْ كان ذلك كذلك، وكان الجميعُ من أهل الإسلام مجمعينَ على أن من كان مُطيقًا من الرجال الأصحاء المقيمين غير المسافرين صوْمَ شهر رمضان، فغير جائز له الإفطار فيه والافتداء منه بطعام مسكين - كان معلومًا أنّ الآية منسوخةٌ، هذا، مع ما يؤيد هذا القول من الأخبار التي ذكرناها آنفًا عن مُعاذ بن جبل، وابن عمر، وسلمة بن الأكوع: من أنهم كانوا - بعد نزول هذه الآية على عَهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - في صوم شهر رمضان بالخيار بين صومه وسُقوط الفدية عنهم، وبين الإفطار والافتداء من إفطاره بإطعام مسكين لكل يوم؛ وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه "، فألزموا فرضَ صومه، وبطل الخيار والفديةُ". (تفسير الطبري: ٣/ ٤٣٤ - ٤٣٥). (١٧) انظر: تفسير الطبري (٢٧٤٧): ص ٣/ ٤٢٣، والحديث رواه مسلم ١: ٣١٥، عن عمرو بن سواد العامري، عن ابن وهب، بهذا الإسناد. وكذلك رواه البيهقي ٤: ٢٠٠، من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب. ورواه البخاري ٨: ١٣٦، ومسلم ١: ٣١٥، والبيهقي ٤: ٢٠٠ - كلهم من حديث قتيبة بن سعيد، عن بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير. وذكره السيوطي ١: ١٧٧ - ١٧٨، وزاد نسبته للدارمي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم.