للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

و (الصبر) في اللغة: " الحبس؛ ومنه قولهم: فلان قُتل صبراً - أي حبساً؛ وأما في الشرع فإنه حبس النفس على طاعة الله، أو عن معصيته، أو على أقداره المؤلمة" (١).

ومعنى (البأس) في اللغة: "الشدة، يقال: لا بأس عليكم في هذا، أي: لا شدة ولا حرج، {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعراف: ١٦٥]، شديد، ثم تسمى الحرب بأساء لما فيها من الشدة، والعذاب يسمى بأسًا لشدته، قال الله: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر: ٨٤] وقال: {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا} [الأنبياء: ١٢] وقال: {فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ} [غافر: ٢٩] كل هذا معناه: العذاب" (٢).

وقد اختلف أهل العربية في {الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} [البقرة: ١٧٧]، على أقوال (٣):

أحدها: أن {البأساء والضراء}، مصدر جاء على (فعلاء) ليس له (أفعل)، لأنه اسم، كما قد جاء (أفعل) في الأسماء ليس له (فعلاء)، نحو (أحمد)، وقد قالوا في الصفة (أفعل)، ولم يجيء له (فعلاء)، فقالوا: أنت من ذلك أوْجل، ولم يقولوا: (وجلاء).

والثاني: أنه اسم للفعل، فإن (البأساء): البؤس، و (الضراء): الضر، وهو اسم يقع إن شئت لمؤنث، وإن شئت لمذكر، كما قال زهير (٤):

فَتُنْتَجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ، كُلُّهُمْ ... كَأَحْمَرِ عَادٍ، ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ

يعني فتنتج لكم غلمان شؤم.

والثالث: أنه اسم قام مقام المصدر، والدليل على ذلك قوله: لئن طَلبت نُصرتهم لتجدنَّهم غير أبعدَ (٥)، بغير إجراء، وقال: إنما كان اسما للمصدر، لأنه إذا ذُكر علم أنه يُراد به المصدر.

وفي نصب: {الصَّابِرِينَ} [البقرة: ١٧٧]، أقوال:

أحدها: أنه منصوب بفعل محذوف، والتقدير: وأخص الصابرين أو وأعني الصابرين.

والبلاغة من هذا أنه إذا تغير أسلوب الكلام كان ذلك أدعى للانتباه؛ فإن الإنسان إذا قرأ الكلام على نسق واحد لم يحصل له انتباه، كما يحصل عند تغير السياق، ويسمى في العربية بالتحول الأسلوبي، فهو يلفت انتباه القارئ الى النص (٦).

والثاني: أنه منصوب على تطاول الكلام، ومن شأن العرب أن في تعير الاعراب إذا طال الكلام قاله أبو عيد (٧).


(١) انظر: تفسير بان عثيمين: ٢/ ١١٨.
(٢) التفسير البسيط: ٣/ ٥٢٨، وانظر تهذيب اللغة: ١/ ٢٥٥ (بأس)، والمفردات: ٧٥، والتفسير الكبير: ٥/ ٤٥.
(٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٥٠ - ٣٥٢.
(٤) (" ديوانه: ٢٠، من معلقته الفريدة. وهي من أبياته في صفة الحرب، التي قال في بدئها، قبل هذا البيت: وَمَا الحَرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ ... وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيث المُرَجَّمِ
مَتَى تَبْعَثُوهَا، تَبْعَثُوهَا ذَمِيمَةً، ... وتَضْرَ، إذا ضَرَّيْتُمُوهَا فَتَضْرَمِ
فَتَعْرُكَكُم عَرْكَ الرَّحَا بِثِفَالِهَا ... وَتلْقَحْ كِشافًا، ثم تُنْتَجْ فَتُتْئِمِ
(٥) يقال " فلان غير أبعد "، أي لا خير فيه. ويقال: " ما عند فلان أبعد " أي لا طائل عنده. قال رجل لابنه: " إن غدوت على المربد ربحت عنا، أو رجعت بغير أبعد "، أي بغير منفعة.
(٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧٩.
(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>