للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أحدهما: أنه الفقر. قاله عبدالله (١)، وروي عن ابن عباس وأبي العالية والحسن في أحد قوليه وسعيد بن جبير ومرة الهمداني ومجاهد وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك (٢).

والثاني: أنه البلاء. قاله الحسن (٣).

واختلف في قوله: {الضَّرَّاءِ} (٤) [البقرة: ١٧٧]، على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه السقم. قاله السدي (٥)، وروي عن ابن عباس وأبي العالية ومرة وأبي مالك والحسن ومجاهد والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان، والضحاك نحو ذلك (٦).

الثاني: أنه الأمراض والجوع. قاله الحسن (٧).

الثالث: أنه البلاء والشدة. قاله سعيد بن جبير (٨).

وروي عن عبد الله: {وحين البأس}، قال: حين القتال" (٩). وروي عن سعيد بن جبير والحسن ومجاهد وأبي العالية وقتادة ومرة ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس وأبي مالك نحو ذلك (١٠).

فهؤلاء الموصوفون: في حال الفقر؛ لا يحملهم فقرهم على الطمع في أموال الناس، ولا يشكون أمرهم لغير الله؛ بل يصبرون عن المعصية: لا يسرقون، ولا يخونون، ولا يكذبون، ولا يغشون؛ ولا تحملهم الضراء - المرض، وما يضر أبدانهم - على أن يتسخطوا من قضاء الله وقدره؛ بل هم دائماً يقولون بألسنتهم وقلوبهم: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً؛ كذلك حين البأس يصبرون، ولا يولون الأدبار - وهذا صبر على الطاعة؛ فتضمنت هذه الآية: {الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} الصبر بأنواعه الثلاثة: الصبر عن المعصية؛ وعلى الأقدار المؤلمة؛ وعلى الطاعة؛ والترتيب فيها للانتقال من الأسهل إلى الأشد.

قال الحافظ ابن حجر: إن" الأعمال مع انضمامها إلى التصديق داخلة في مسمى {البر}، كما هي داخلة في مسمى الإِيمان" (١١).


(١) انظر: ابن أبي حاتم (١٥٦٣): ص ١/ ٢٩١.
(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩١.
(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٦٤): ص ١/ ٢٩١.
(٤) عن قتادة قال: كنا نُحدِّث أن البأساء البؤس والفقر، وأن الضراء السُّقم. وقد قال النبي أيوب صلى الله عليه وسلم (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [سورة الأنبياء: ٨٣]. (تفسير الطبري: ٣/ ٣٤٩ - ٣٥٠).
(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٦٥): ص ١/ ٢٩١.
(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ١/ ٢٩١.
(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٦٥): ص ١/ ٢٩١.
(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٦٥): ص ١/ ٢٩١.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥٦٩): ص ١/ ٢٩٢.
(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٢.
(١١) الفتح: ١/ ٦٦، وهذا هو الحق في مسألة دخول العمل في مسمى الإيمان، وهو الصحيح عند أهل السنة، وقد جاء في تعظيم قدر الصلاة للمروزي: ١/ ٤١٦ رقم: ٤٠٨ (جاء رجل إلى أبي ذر فسأله عن الإيمان فقرأ: {لَيْسَ الْبِرَّ-إلى قوله-هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: ١٧٧] قال الرجل: ليس عن البر سألتك فقال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه، فقرأ عليه الذي قرأت عليك، فقال له: الذي قلت لي ... )، وفي سنده انقطاع بين القاسم بن عبد الرحمن وبين أبي ذر، وفيه المسعودي وهو ممن اختلط. انظر: تعليق الأرناؤوط على شرح الطحاوية: ٢/ ٤٨٦، وتعليق د. الفريوائي عليه في تعظيم قدر الصلاة: ١/ ٤١٧. ومسألة دخول العمل في مسمى الإيمان فيها خلاف شهير بين أهل السنة والمرجئة من جهة، وبين أهل السنة والخوارج والمعتزلة من جهة ثانية. فأهل السنة يقولون: بأن العمل جزء من مسمى الإيمان وماهيته، وأنه لا يكون الرجل مؤمناً إلا بالعمل، فالإيمان عندهم حقيقة مركبة من اعتقاد القلب وقول اللسان والعمل بالأركان، لكن هذا لا يعني عندهم أن الإيمان لا يحصل إلا بفعل العمل كله، بل قد يكون العبد مؤمناً مع تخلف بعض العمل، لكنه ينقص إيمانه بقدر ما نقص من عمله، ومعنى ذلك أنه يكفي في وجود الإيمان لدى العبد وجود جنس العمل لا جميعه. والإيمان عند المرجئة: اعتقاد القلب ونطق اللسان فقط، ويخرجون عمل الجوارح عن مسمى الإيمان. والخوارج والمعتزلة يجعلون الإيمان حقيقة واحدة هي: الاعتقاد والنطق والعمل فإذا ذهب عندهم شيء من العمل ذهب الإيمان كله؛ لأنه إما أن يكون موجوداً بكليته أو لا يكون موجوداً، والله أعلم. وانظر: السنة لعبد الله بن الإمام أحمد: ١/ ٣٠٧، شرح الطحاوية لابن أبي العز: ٢/ ٤٧٤، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي: ١/ ١٧٢، الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية: ١٢٢ - ١٦٣ و ٢٩٢ - ٢٩٣، شرح السنة للبغوي: ١/ ٣٨ - ٤٠، التمهيد لابن عبد البر: ٩/ ٢٣٨ و ٢٤٣، ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي للحوالي: ١٢٨ - ١٥٠، موقف ابن تيمية من الأشاعرة د. المحمود: ٣/ ١٣٦٥ - ١٣٧٠، منهج ابن حجر في العقيدة من خلال كتابه فتح الباري لمحمد إسحاق: ٩٣٣ - ٩٣٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>