للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الثالث: أنه منصوب عطفًا على {السائلين} (١).

ومعنى الآية: وآتى المال على حبه ذَوي القربَى واليتامَى والمساكين، وابنَ السبيل والسائلينَ والصابرين في البأساء والضراء.

قال الطبري: " وهذا باطل، لأن ظاهر كتاب الله يدلّ على خطأ هذا القول " (٢).

الرابع: أنه منصوب على قوله: {ذي القربى}، والتقدير: وآتى المال على حبه ذوي القربي والصابرين. وهذا قول الكسائي (٣).

الخامس: أنه منصوب على المدح، والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كانهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه بأول الكلام فينصبونه. قاله الخليل (٤)، والفراء (٥)، واختاره الطبري (٦)، وابن كثير (٧).

ومنه قوله تعالى: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} [النساء: ١٦٢]، نص عليه سيبويه (٨)، وكما قال الشاعر (٩):

إلَى المَلِكِ القَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثَ الكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَمْ

وَذَا الرَّأْيِ حِينَ تُغَمُّ الأمُورُ ... بِذَاتِ الصَّلِيلِ وذَاتِ اللُّجُمْ

فنصب " ليث الكتيبة " وذا " الرأي " على المدح، والاسم قبلهما مخفُوضٌ لأنه من صفة واحد، ومنه قول الآخر (١٠):

فَلَيْتَ الَّتِي فِيهَا النُّجُومُ تَوَاضَعَت ... عَلَى كُلِّ غَثٍّ مِنْهُمُ وسَمِينِ

غيُوثَ الوَرَى فِي كُلِّ مَحْلٍ وَأَزْمَةٍ ... أُسُودَ الشَّرَى يَحْمِينَ كُلَّ عَرِينِ

وقول الآخر (١١):

لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ ... سَمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْر

النازلينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ ... والطيبين معاقِدَ الأزْرِ

فنصبوا (النازلين) و (الطيبين) على المدح (١٢).


(١) هذا القول ذكره الفراء في معاني القرآن ١: ١٠٨، ورده.
(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٣٥٣.
(٣) انظر: معاني القرآن للفراء: ٣/ ٥٢٢، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٥٢. قال الفراء: : وإنما امتنع من مذهب المدح -يعني الكسائي- الذي فسرت لك؛ لأنه قال: لا ينصب الممدوح إلا عند تمام الكلام، ولم يتمم الكلام في سورة النساء، ألا ترى أنك حين قلت: {لكن الراسخون في العلم منهم} - إلى قوله: {والمقيمين والمؤتون}، كأنك منتظر لخبره، وخبره في قوله: {أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً}. والكلام أكثره على ما وصف الكسائي، ولكن العرب إذا تطاولت الصفة جعلوا الكلام في الناقص والتام كالواحد وينظر أيضا: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٢٣١، وقال: "وهذا القول خطأ بين".
(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٢.
(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٢.
(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣
(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٨. فقال: : "وإنما نُصِبَ {وَالصَّابِرِينَ} على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال لشدته وصعوبته"
(٨) انظر: الكتاب: ٢/ ٦٣ - ٦٥.
(٩) البيت من شواهد تفسير الطبري: ٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣ ولم أتعرف على قائله.
(١٠) لم أتعرف على قائلهما والبيت من شواهد تفسير الطبري: ٣/ ٣٥٣. وانظر: معاني القرآن للفراء ١: ١٠٦، وأمالي الشريف ١: ٢٠٦. وقوله: " تواضعت "، هو عندي " تفاعل " من قولهم: وضع الباني الحجر توضيعًا: نضد بعضه على بعض. ومنه التوضع: وهو خياطة الجبة بعد وضع القطن. ومنه أيضًا: وضعت النعامة بيضها: إذا رثدته ووضعت بعضه فوق بعض، وهو بيض موضع: منضود بعضه على بعض. يقول: ليت السماء قد انضمت على جميعهم، فكانوا من نجومها. وقوله: " غث منهم وسمين "، مدح، يعني: ليس فيهم غث، فغثهم حقيق بأن يكون من أهل العلاء.
(١١) البيتان لخرنق بنت بدر بن هفَّان، ترثي زوجها ومن قتل معه، في "ديوانها" ص ٤٣، "معاني القرآن" للفراء، "لسان العرب" ٧/ ٤٤٥٤ (نضر). وفي "الكتاب" لسيبويه ٢/ ٦٤، لكن قال: (والطيبون) قال الفراء: وربما رفعوا (النازلون) (الطيبون)، وربما نصبوهما على المدح، والرفع على أن يُتْبَعَ آخرُ الكلام أوّلَه.
(١٢) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ١٠٥، والتفسير البسيط: ٣/ ٥٢٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>