للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والمساكين ... } [التوبة: ٦٠]؛ لأن الله بدأ به؛ ويُبدأ بالأحق فالأحق، والأحوج فالأحوج في مقام الإعطاء؛ ويجمعهما - أعني الفقير، والمسكين - أن كلاً منهما ليس عنده ما يكفيه وعائلته من مطعم، ومشرب، وملبس، ومسكن، ومنكح، ومركوب" (١).

و{َابْنَ السَّبِيلِ}، هو: "المسافر المجتاز بالرَّجل، "الذي قد فرغت نفقته فيعطى ما يوصله إلى بلده، وكذا الذي يريد سفرا في طاعة، فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه" (٢).

وإنما قيل للمسافر {ابْنَ السَّبِيلِ}، لملازمته الطريق (٣) - والطريق هو (السبيل) (٤) - فقيل لملازمته إياه في سفره: (ابنه)، كما يقال لطير الماء (ابن الماء) لملازمته إياه، وللرجل الذي أتت عليه الدهور (ابن الأيام والليالي والأزمنة)، ومنه قول ذي الرمة (٥):


(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧.
(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٧.
(٣) وقيل: لأنها تبرزه فكأنها ولدته، وهو اسم جنس، أو واحداً أريد به الجمع، انظر: جامع البيان للطبري: ٣/ ٣٤٦، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٥٧، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٨٧، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٦، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٧٩، الدر المصون للسمين: ١/ ٤٤٨، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ٩٨، وهو قول: مجاهد وقتادة في رواية عنهما وأبي جعفر والربيع، انظر: المصادر السابقة. وهناك أقوال أخرى هي:
أ-أن ابن السبيل الضيف، قاله: قتادة ومجاهد في رواية أخرى عنهما وسعيد بن جبير والضحاك ومقاتل وابن قتيبة، انظر: زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٧٩، جامع البيان للطبري: ٣/ ٣٤٥، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٦، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٥٨، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٧٠.
ب-أنه الذي يريد سفراً ولا يجد نفقة، قال ابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ١٧٩ (ذكره الماوردي وغيره عن الشافعي)، وكذا ذكر ذلك أبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ٦، وليس في النكت والعيون في آية البقرة ولا التوبة، وإنما فيه القولان السابقان والقول الآتي.
(جـ) أن المراد بابن السبيل: فقراء المسلمين، قاله الماوردي في النكت والعيون: ١/ ٢٢٧، وهذا بإطلاق فيه نظر؛ لأن مصارف الزكاة ثمانية منهم الفقراء وابن السبيل، فدل على أن هذا غير ذاك، وأيضاً فإن الآية ذكرت المساكين، وهو لفظ عند الإطلاق يعم الفقراء؛ إذ أنهما متى اجتمعا افترقا، ومتى افترقا اجتمعا، فدل ذلك على أن ابن السبيل شيء آخر غير الفقراء، وإنما ابن السبيل المسافر الذي نفد ماله، والله أعلم.
(د) أن المراد به: المنقطع في بلد دون بلده وبين البلد الذي انقطع فيه وبين بلده مسافة بعيدة، قاله أبو حنيفة وأحمد وأبو سليمان الدمشقي وأبو يعلى، انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٦، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٧٩.
والأظهر في ابن السبيل: أنه المسافر المجتاز الذي نفدت نفقته فيعطى ما يوصله إلى بلده، ويمكن إرجاع الأقوال الأخرى إليه، لأن الآية فيمن يعطون المال، وهم المحتاجون، وهو ضيف حين ينزل على معطيه، وهو راغب بمواصلة السفر، وهو في موقفه هذا من فقراء المسلمين، وهو منقطع لا يمكنه الوصول إلى بلده إلا بإعطائه المال، أما أن يكون مطلق المسافر أو الضيف أو الفقير غير المسافر أو يمكنه الوصول إلى بلده بدون إيتائه المال فلا، والله أعلم.
(٤) انظر: تهذيب اللغة اللأزهري: ١٢/ ٤٣٦، الصحاح للجوهري: ٥/ ١٧٢٤، لسان العرب لابن منظور: ٣/ ١٩٣٠.
(٥) ديوابنه: ٤٠١، وهو متعلق ببيت قبله: وَمَاءٍ قَدِيمِ العَهْدِ بالناسِ جنٍ ... كَأَنَّ الدَّبَى مَاءَ الغَضَا فِيهِ يَبْصُقُ
الآجن المتغير. والدبى: صغار الجراد. والغضى: شجر. كأن الجراد رعته، فبصقت فيه رعيها فهو أصفر أسود. والاعتساف: الاقتحام والسير على غير هدى. والمحلق: العالي المرتفع. وابن الماء: هو طير الغرانيق، يعرف بالكركي، والإوز العراقي، وهو أبيض الصدر، أحمر المنقار، أصفر العين. يقول الأقيشر، يصف مجلس شراب:
كَأَنَّهُنَّ وأَيْدِي الشَّرْبِ مُعْمَلَةٌ ... إِذَا تَلأْلأَْنَ فِي أَيْدِي الغَرَانِيقِ
بَنَاتُ ماءِ، تُرى بيضًا جَاجِئُها ... حُمْرًا مَنَاقِرُهَا، صُفْرَ الحَمَالِيقِ
والثريا: نجوم كثيرة مجتمعة، سميت بالمفرد. جعلها " على قمة "، وذلك في جوف الليل، ترى بيضاء زاهرة.

<<  <  ج: ص:  >  >>