وفي قوله تعالى: {عَلَى حُبِّهِ} [البقرة: ١٧٧]، وجوه من التفسير (١):
أحدها: أن يعني أعطى المال في حال صحته ومحبته إياه ونفسه به. يدل عليه قول ابن مسعود" (٢).
والثاني: أنه يعني: على حب الله سبحانه (٣).
والثالث: على حب الإيتاء. قاله الحسين بن أبي الفضل (٤).
والرابع: وقيل: الهاء راجعة إلى المعطي أي حب المعطي (٥).
قوله تعالى: {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} [البقرة: ١٧٧]، أي وأعطى المال أيضاً لليتامى الذين فقدوا آباءهم، والمساكين الذين لا مال لهم، والمسافر المنقطع عن ماله" (٦).
و{وَالْيَتَامَى}، وهم: "الذين لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب، وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا مَعْمَر، عن جويبر، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، عن علي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يُتْم بعد حُلُم" (٧) (٨).
و{الْمَسَاكِينَ}: "هم: الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما تُسَدُّ به حاجتهم وخلتهم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي تَرده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فَيُتَصَدق عليه" (٩) " (١٠).
و{الْمَسَاكِينَ}: " جمع مسكين؛ وهو الفقير؛ سمي بذلك لأن الفقر أسكنه، وأذله؛ والفقر - أعاذنا الله منه - لا يجعل الإنسان يتكلم بطلاقة؛ هذا في الغالب؛ لأنه يرى نفسه أنه ليس على المستوى الذي يمكنه من التكلم؛ ويرى نفسه أنه لا كلمة له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: طرب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" (١١) " (١٢).
قال ابن عثيمين: " واعلم أن الفقير بمعنى المسكين؛ والمسكين بمعنى الفقير؛ إلا إذا اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى غير الآخر (١٣)؛ فالفقير أشد حاجة، كما في آية الصدقة: {إنما الصدقات للفقراء
(١) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥١.
(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٥٢١): ص ٣/ ٣٤٠.
(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥١.
(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥١.
(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥١.
(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.
(٧) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، كتاب الفرائض، باب (لايتم بعد حلم): (٧١٥٣). عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يتم بعد حلم ". رواه البزار، وفيه يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي، وهو ضعيف جدا.
(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٧.
(٩) صحيح البخاري برقم (١٤٧٩) وصحيح مسلم برقم (١٠٣٩).
(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٧.
(١١) أخرجه مسلم ص ١١٣٥، كتاب البر والصلة، باب ٤٠: فضل الضعفاء والخاملين، حديث رقم ٦٦٨٢ [١٣٨] ٢٦٢٢.
(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧٦.
(١٣) اختلف أهل العلم في معنى المسكين والفقير والفرق بينهما إلى عدة أقوال أهمها ما يلي:
١ ـ أن الفقير أحسن حالا من المسكين.
٢ ـ العكس وهو أن المسكين أحسن حالا من الفقير.
٣ ـ لا فرق بينهما من حيث المعنى وإن اختلفا في الاسم
وإلى هذه الأقوال يشير القرطبي في تفسيره: اختلف علماء اللغة وأهل الفقه في الفرق بين الفقير والمسكين على تسعة أقوال، فذهب يعقوب بن السكيت والقتبي ويونس بن حبيب إلى أن الفقير أحسن حالاً من المسكين. قالوا: الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه، والمسكين الذي لا شيء له، وقال آخرون بالعكس، فجعلوا المسكين أحسن حالاً من الفقير. واحتجوا بقوله تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ. فأخبر أن لهم سفينة من سفن البحر. وربما ساوت جملةً من المال. وعضدوه بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعوذ من الفقر. وروي عنه أنه قال: اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً. فلو كان المسكين أسوأ حالاً من الفقير لتناقض الخبران، إذ يستحيل أن يتعوذ من الفقر ثم يسأل ما هو أسوأ حالاً منه، وقد استجاب الله دعاءه وقبضه وله مال مما أفاء الله عليه، ولكن لم يكن معه تمام الكفاية، ولذلك رهن درعه. ذهب إلى هذا الأصمعي وغيره، وحكاه الطحاوي عن الكوفيين. وهو أحد قولي الشافعي وأكثر أصحابه. وللشافعي قول آخر: أن الفقير والمسكين سواء، لا فرق بينهما في المعنى وإن افترقا في الاسم، وهو القول الثالث. وإلى هذا ذهب ابن القاسم وسائر أصحاب مالك، وبه قال أبو يوسف. انتهى منه باختصار.
وصفة الفقر والغنى تختلف من بلد لآخر ومن زمان لغيره، فكفاية الفقير التي تمنعه الزكاة تكون بحسب عرف بلده ونفقته ونفقة عياله. (انظر: تفسير القرطبي: ٨/ ١٦٨ - ١٦٩).