وقال مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ-: تشهد عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- أفضل؛ لأنه علّمه الناس على المنبر، ولم ينازعه أحدٌ، فدَلّ على تفضيله.
وذهب بعضهم إلى عدم الترجيح، منهم ابن خزيمة (١).
فال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح قول من قال باختيار تشهّد ابن مسعود -رضي اللَّه عنه-، مع جواز غيره مما صحّ من صيغ التشهّد، كتشهّد ابن عبّاس، وتشهّد عمر، وغيرهما مما سبق تصحيحه، وهذا هو الذي رجّحه الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ-، حيث قال ما حاصله: فأيّ تشهّد تشهّد به المصلّي مما ذكرناه، فصلاته مُجزئةٌ، والذي آخذ به التشهّد الذي بدأت به -يعني تشهّد ابن مسعود -رضي اللَّه عنه- انتهى (٢).
والحاصل أنه يجوز أن يتشهّد بأي نوع من أنواع التشهّدات مما صحّ عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، إلا أن الأفضل أن يتشهّد بالمتّفق عليه، وهو تشهّد ابن مسعود -رضي اللَّه عنه-؛ لِما ذكرنا من وجوه الترجيحات له، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: السنة في التشهد الإخفاء؛ لما رَوَى أبو داود والترمذيّ، بإسناد جيّد، عن عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنه- قال:"من السنة أن يُخفي التشهد"(٣)، وقال: حسن غريب، وصحّحه الحاكم.
وأخرج ابن خزيمة في "صحيحه" عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت:"نزلت هذه الآية في التشهد {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا}[الإسراء: ١١٠] ". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) راجع: "البدر المنير" ٤/ ٣٧ - ٤١، و"عمدة القاري" ٦/ ١٦٤ - ١٦٥، وقد أشبعت هذا البحث في "ذخيرة العقبى"، فراجعه تستفد ١٤/ ١٠٧ - ١١١. (٢) راجع: "الأوسط" ٣/ ٢٠٩. (٣) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في "سننه" ١/ ٢٥٩، والترمذيّ في "جامعه" ٢/ ٨٤.