مكة، (قَالَ) أبو ذرّ (قُلْتُ: قَدْ كُنْتُ هَا هُنَا مُنْذُ ثَلَاِثينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيوْمٍ)؛ أي: خمسة عشر يومًا بليالها، (قَالَ:"فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ) بكسر الميم، (حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ) بضمّ، ففتح، وهو مضاف إلى (بَطْنِي) والعُكَن هي طاقات لحم البطن، والمراد بتكسّرها: انثناؤها وانطواؤها؛ يعني: انكسرت تلك العُكَن بسبب السِّمَن، (وَمَما) نافية، (أَجِدُ عَلَى كبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ)؛ أي: ضَعفه، وهُزاله. (قَالَ) - صلى الله عليه وسلم -: ("إِنَّهَا)؛ أي: زمزم، (مُبَارَكَة) قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللهُ-: أي: إنها تَظهَر بركتها على من صحَّ صِدقه، وحَسُنَت فيها نيّته، كما قد رَوَى العقيليّ أبو جعفر من حديث أبي الزبير، عن جابر: أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "ماء زمزم لِمَا شُرِب له"، فينبغي أن يُتبرّك بها، وتُحَسَّن النية في شُربها، ويُحْمَل من مائها، فقد روى الترمذيّ عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها كانت تَحْمِل من ماء زمزم، وتُخبر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحمله، قال الترمذيّ: حديث حسن غريب (١).
(إِنَّهَا طَعَامُ طُعْم") بضمّ الطاء، وسكون العين المهملتين؛ أي: تُشبع شاربها، كما يُشبعه الطعام.
قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللهُ-: قوله: "إنها طعام طعم" أي: يُشبَع منها، ويُرَدُّ الجوع، الرواية فيه:"طعامُ طعم" بالإضافة، والطعام: اسم لما يُتَطَعَّم، فكأنه قال: طعام إشباع، أو طعامٌ يُشبع، فأضافه إلى صفته، هذا على معنى ما قاله ابن شميل، فإنه قال: يقال: إن هذا لطعامُ طُعمٍ؛ أي: يُطْعِم مَنْ أكَله؛ أي: يَشبَع منه الإنسان، وما يُطْعِم أكلُ هذا الطعام؛ أي ما يُشبع منه، غير أنه قد قال الجوهريّ: الطُّعْمُ بالضم: الطعام، وبالفتح: ما يُشتهَى منه، قال: قال أبو خراش [من الطويل]: