الماضي في لفظ "الثّدِيّ"، فلا تغفل، وبالله تعالى التوفيق.
ثم إن قوله:"أرَى" إن كان من الرؤية بمعنى العلم فيقتضي مفعولين، أحدهما هو قوله:"الرّيّ"، والثاني قوله:"يخرج في أظفاري"، وإن كان من الرؤية بمعنى الإبصار، فلا يقتضي إلا مفعولًا واحدًا وهو قوله:"الرّيّ"(١).
وفيه تأكيد الكلام بصوغه جملة اسمية، وتأكيدها بإِنّ" واللام في الخبر، وهو قوله: "إني لأرى الريّ".
[فإن قلت]: لم تكن الصحابة -رضي الله عنهم- منكرين، ولا مترددين في أخباره -صلى الله عليه وسلم-، فما فائدة هذه التأكيدات؟.
[أجيب]: بأن قوله: "أرى الريّ يخرج في أظفاري" أورثهم حَيْرة في خروج اللبن من الأظفار، فأزال تلك الحيرة بهذه التأكيدات، كما في قوله تعالى:{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} الآية [يوسف: ٥٣]؛ لأن ما أبرّئ؛ أي: ما أزّكي، أورث المخاطَب حيرة في أنه كيف لا ينزه نفسه عن السوء، مع كونها مطمئنة زكية، فأزال تلك الحيرة بقوله:{إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} في جميع الأشخاص إلا من عصمه الله، قاله العينيّ رحمه الله (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العينيّ في قوله: {وَمَا أُبَرِّئُ} الآية مبنيّ على أن هذا الكلام ليوسف عليه السلام، والراجح أنه من كلام المرأة، لا من كلامه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(يَجْرِي فِي أَظْفَارِي) بفتح الهمزة: جمع ظُفْر، قال ابن دُريد: الظفر ظفر الإنسان، والجمع أظفار، ولا تقول: ظِفْر بالكسر، وإن كانت العامة قد أُولعت به، وتجمع أظفار على أظافير، قال: وقال قوم: بل الأظافير جمع أظفور، والظفر والأظفور سواء، وأظفار الإبل مناسمها، وأظفار السباع براثنها. انتهى (٣).
وقوله أيضًا:(فِي أَظْفَارِي)، وفي رواية ابن عساكر "من أظفاري"، وفي رواية البخاري في "التعبير": "من أطرافي"، والكل بمعنًى في الحقيقة.