المعنى غيرُ وصف الكلام بحسن دلالته وتمامها، ثم تبرجها في صورة هي أبهى وأزين، وأحقُّ بأن تستولِيَ على هوى النفس، وتنال الحظَّ الأوفرَ من قبل (١) القلوب. ولا جهةَ لاستكمال هذه الخصال غير أن يُؤْتَى المعنى من الجهة التي هي أصحّ لتأديته ويُختارَ له اللفظُ الذي هو به أخصُّ وأحرى بأن يكسبه نُبلًا ويظهر فيه مزية. وهل يُتصَوَّرُ أن يكون بين اللفظين تفاضلٌ في الدلالة حتى تكون هذه أدلَّ على معناها الذي وُضعت له من دلالة صاحبتها على ما هي موضوعةٌ له حتى يُقال إن رجلًا أدلُّ من فرس؟ فلذا لا تتفاضل الكلمتان المفردتان إلا بالنظر إلى المكان الذي تقعان فيه من نظم الكلام، ولا تجد أحدًا يقول هذه الكلمة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسنَ ملاءمةِ معناها لمعنى جارتها". (٢) وقال: "فإذا تلاقت في النطق حروف تثقل على اللسان (ومثَّله بأبيات التنافر الشديد والمتوسط)، فذلك وجهٌ من وجوه التفاضل بين كلام على كلام، ولكن ليس المقصود أن يكون ذلك عمدة المفاضلة وهذا لا ضُرَّ به علينا". (٣)
ولهذا فالذين لم يتعرضوا إلى محاسن الكلمات المفردة ما أرادوا عدمَ الالتفات إلى شرائط حسنها، ولكنهم استغنوا عنه بحصوله تبعًا لحصول شرائط فصاحة
(١) في نشرة شاكر: "ميل"، وتبدو أسعد بالسياق. (٢) صفحة ٣٥. - المصنف. نشرة شاكر، ص ٤٣ - ٤٤. (٣) صفحة ٤٤. - المصنف. أورد المصنف كلام الجرجاني بتصرف واضح. أما الأبيات التي ذكر أن عبد القاهر مثل بها، فهي مما أنشده الجاحظ لمحمد بن يسير الرياشي وغيره مستشهدًا به على التنافر بين الكلمات. كتاب دلائل الإعجاز، نشرة شاكر، ص ٥٧ - ٥٩. والأبيات المقصودة هي قولُ الرياشي مخاطبًا ممدوحه أحمد بن يوسف: لَا أُذيلُ الآمَالَ بَعدكَ إِنِّي ... بَعْدَهَا بالآمَالِ حَقُّ بَخِيلِ كَمْ لَهَا وَقْفَةٌ بِبَابِ كَرِيمٍ ... رَجَعَتْ مِنْ نَدَاهُ بالتَّعْطِيلِ لَمْ يَضِرْهَا والحَمْدُ لله شَيْءٌ ... وَنْثَنَتْ نَحْوَ عَزْفِ نَفْسِي ذَهُولِ وقد علق الجاحظ عليها بقوله: "فتفقد النصفَ الأخير من هذا البيت، فإنك ستجد بعضَ ألفاظه ينبرأ من بعض". البيان والتبيين، ج ١/ ١، ص ٥٤.