للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الطريقة من الاعتبار، جرى الفريقُ الثاني الذين قدَّموا النظرَ إلى جانب المعاني. وهذا المذهبُ هو الذي احتفل به الشيخ عبدُ القاهر الجرجاني في "دلائل الإعجاز" في الفصول التي ترجمها بـ "فصول شتى في أمر اللفظ والنظم". (١) فظهر أن المقصودَ من صرفِهم الاهتمامَ إلى العناية بحالة الكلام اشتراطُهم أن يكونَ كلامًا فصيحًا بفصاحة كلماته في حدِّ ذاتها، وبفصاحة تراكيبها عند اجتماعها.

فأما فصاحةُ الكلمات فلأنها أجزاءُ الكلام، فتعين أن تكون الأجزاءُ فصيحةً ليكون مجموعُ الكلام فصيحا. ومعنى فصاحة الكلمات سلامتُها من تنافر الحروف، ومن الغرابة، ومن مخالفة قواعد اللغة المستَقْرَاةِ من استعمال العرب. وهذا ما يقتضيه تشبيهُ المؤلف الألفاظَ بالجواهر والدرر؛ إذ لم يختلف أئمةُ البلاغة في أن من شرط كون الكلام فصيحًا أن تكون كلماتُه فصيحة، ولم ينكروا أن الألفاظَ المفردة تتفاضل بمقدار تفاضلها في فصاحتها. ويظهر ذلك جليًّا في المترادفات، فلا يختلفون في أن لفظة أسد أحسن من لفظة فدوكس، وقد عابوا استعمالَ المتنبي ألفاظ القلقلة في قوله:

فَقَلْقَلْتُ بالهَمِّ الَّذِي قَلْقَلَ الحَشَا ... قَلَاقِلَ عِيسٍ كُلُّهُنَّ قَلَاقِلُ (٢)

قال الشيخ في دلائل الإعجاز: "وقصارى تفاضل الكلمتين لا يكون أكثرَ من كون إحداهما مألوفةً والأخرى غريبة وحشية، أو تكون حروفُ هذه أخفَّ، وامتزاجُها أحسن، ومما يكدُّ اللسانَ أبعد". (٣) وقال: "ومن المعلوم أن لا معنى لعبارات البلاغة والفصاحة والبيان التي يُنسب فيها الفضلُ والمزيةُ إلى اللفظ دون


(١) ص ١٨٠ من دلائل الإعجاز. - المصنف. الجرجاني: دلائل الإعجاز، ص ٢٤٩ - ٢٥٧.
(٢) البيت هو السابع من قصيدة من أربعة عشر بيتًا قالها المتنبي في صباه. البرقوقي: شرح ديوان المتنبي، ج ٣، ص ٢٩٣.
(٣) صفحة ٣٦. - المصنف. ونصُّ كلام الجرجاني كما في نشرة الشيخ محمود شاكر: "وهل يقع في وهمٍ وإن جهد، أن تتفاضلَ الكلمتان المفردتان، من غير أن يُنظرَ إلى مكان تفعان فيه من التأليف والنظم، بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعملة، وتلك غريبةً وحشية" إلخ. دلائل الإعجاز، نشرة شاكر، ص ٤٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>