١ - ففريقٌ - وهم الأكثرون - هم من أصحاب الذوق والبلغاء من الأدباء، ولكنهم غيرُ متمرِّسين في علوم المعاني والبيان، فكانوا إذا وصفوا الكلامَ البليغ وصفوه بالأساليب التي اعتادوا في منشآتهم، وهي الإبانة عن محاسن الكلام بالتقريب بأساليب التشبيه والمجاز والكناية. فيبرز وصفُهم الكلامَ في صورة إنشاء بليغ أو شعر جيد، وهم على ذلك قد أناروا الطريق لسالكيه، ولكنه لا يشفي غليلَ الطالب، ولا يبلغ به الواصفُ قصدَه.
وهذا كما وصف ابنُ الأثير (١) كلامًا فصيحًا بقوله: "البيان الذي لا يغضُّ من نسق الفرِيد، ولا يُخلِق نضرَةَ لباسُه الجديد. . . يستميل سمعَ الطروب، ويستحق وقارَ القلوب"، وقوله:"إن للكلمة طعمًا يُعرف مذاقُه من بين الكلام، وخفةُ الأرواح معلومة من بين ثقل الأجسام"، وقوله:"ألفاظٌ كخَفْقِ البنود، أو زأْر الأسود، ومعان تدل بوارقها أنها هي السيوف، وأن قلوبًا نَمَتْها هي الغُمُود". (٢)
(١) هو الوزير نصر الله بن محمد المعروف بابن الأثري الجزري، نسبة إلى جزيرة ابن عمر الموصلي، توفي سنة ٦٣٧ هـ. وهو من أئمة الأدباء والكتاب، له كتابان: "المثل السائر" مشهور مطبوع، وكتاب "الجامع الكبير في صناعة المنظوم والمنثور"، ذكره صاحب "كشف الظنون"، ويظهر أنه ألف بعد "المثل السائر"، مع أنه ذكر كتابًا آخر له سماه "الوشي المرقوم في حل المنظوم". وهذا "الجامع الكبير" أخص من "المثل السائر"، وأقل شواهد، ولكنه قد يكون أقل منه قواعد، فلعله قصد منه تهذيب الفن والإقلال من انتشاره، وهو يقع في زهاء ثلث حجم "المثل السائر". وهو عزيز الوجود، وفي مكتبتي نسخة منه نسخت سنة ٦٦٨ هـ. وهذا الكلام الذي ذكرناه ها هنا من "المثل السائر". - المصنف. قال الميساوي: بيِّنٌ أن الشيخ ابن عاشور وضع هذه الحاشية قبل كتابة مقاله المطول عن كتاب "الجامع الكبير" بمناسبة صدور طبعته الأولى في العراق عام ١٣٧٥ هـ بتحقيق الأستاذين مصطفى جواد وجميل سعيد (مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، المجلد ٣٦، الجزء ٤، ١٣٨١/ ١٩٦١، ص ٦٧٢ - ٦٧٧)، فانظره في المحور الخامس من هذا المجموع. (٢) ابن الأثير: المثل السائر، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ج ١، ص ١٢٣ - ١٢٤. وفيه "بإرهافها" بدل "بوارقها"، ويبدو ما أثبته ابن عاشور أولى مما جرى عليه عبد الحميد في نشرته التي اعتمدنا عليها وما جرى عليه الحوفي وطبانه في نشرتهما (ابن الأثير، ضياء الدين: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق أحمد الحوفي وبدوي طبانه (القاهرة: دار نهضة مصر، ج ١، ص ١٣١ - ١٣٢)، فلفظة "البوارق" أسعد بالسيف. هذا وقد استشكلت ورود لفظة الفريد =