ثناؤُه ذكرَ الرَّوضةِ في هذا الموضعِ؛ لأنَّه لم يكنْ عند الطَّرَفين أحسنَ منظراً، ولا أطيبَ نشراً مِنْ الرّياضِ، ويدلُّ على أنَّ ذلك كذلك قولُ أعشى بني ثعلبةَ (١):
ما روضَةٌ مِنْ رياضِ الحَزْنِ مُعشِبَةٌ … خضراءُ جادَ عليها مُسبِلٌ هطِلٌ
فأعْلَمَهم بذلك تعالى: أنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ مِنْ المَنظَرِ الأنيقِ، واللذيذِ مِنْ الأراييحِ، والعَيْشِ الهنيِّ، فيما يُحبّون، ويُسرّون به، ويُغْبَطون عليه» (٢)، ومثلُه قولُه في قولِه تعالى ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]: «فإنْ قالَ لنا قائِلٌ: أَفرأَيتَ مَنْ عَمِلَ ما نهى الله عنه مِنْ الرِّبا في تجارتِه ولم يأْكُلْه، أيَستحقُّ هذا الوعيدَ مِنْ الله؟ قيلَ: نَعم، وليس المقصودُ مِنْ الرِّبا في هذه الآيةِ الأكلُ، إلا أنَّ الذين نزلَتْ فيهم هذه الآياتُ يومَ نزلَتْ كانَت طُعمَتُهم ومأْكَلُهم مِنْ الرِّبا، فذكَرَهم بصفَتِهم مُعظِّماً بذلك عليهم أمرَ الرِّبا، ومُقبِّحاً إليهم الحالَ التي هُمْ عليها في مطاعِمِهم»(٣).
خامساً: زمنُ النُّزولِ ومكانُه أَولى ما يُستدَلُّ به في بابِ النَّسخِ؛ لاعتمادِه على معرفةِ المُتقدِّمِ مِنْ المتأخِّرِ مِنْ الأحكامِ، وقد استَعملَه