تفعلُ ذلك، فالخَبَرُ المُستَفيضُ في أهلِ الأخبارِ أنَّ الجاهليَّةَ كانَت تفعلُ ذلك» (١)، وقولُه:«وأَولى هذه الأقوالِ بالصَّوابِ في تأويلِ قولِه ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨] الآية، قَولُ مَنْ قالَ: عُنيَ بذلك أهلُ الكتابِ الذين أخبرَ الله جلَّ وعزَّ أنَّه أخذَ ميثاقَهم، لَيُبَيِّنُنَّ للنّاسِ أمرَ محمدٍ ﷺ، ولا يكْتُمونَه؛ لأنَّ قولَه ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨] الآية، في سياقِ الخبرِ عنهم، وهو شَبيهٌ بقِصَّتِهم، مع اتِّفاقِ أهلِ التأويلِ على أنَّهم المَعنيّون بذلك»(٢)، وكذا قولُه مُعلِّلاً بعضَ المعاني:«لأنَّ هذه السُّورةَ لا تدافُعَ بين أهلِ العلمِ في أنَّها نزلَت بعد يومِ الحُدَيْبيةِ»(٣).
كما يُشيرُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) إلى عدمِ ثُبوتِ السَّبَبِ عند رَدِّه له، كما في قولِه ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩]: «وقد ذُكِرَ أنَّ هذه الآيةَ نزَلَت في قَومٍ مِنْ اليهودِ بأعْيانِهم، مِنْ وَجْهٍ لم تَثْبُت صِحَّتُه»(٤).
رابعاً: أحوالُ النُّزولِ خيرُ ما يُستعانُ به في كشفِ الإشكالاتِ الواردةِ على معاني الآياتِ، واستعمالُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) لها في ذلك كثيرٌ ظاهرٌ، ومِن شواهدِه قولُه في قولِه تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥]: «وإنَّما خصَّ جلَّ
(١) جامع البيان ٣/ ٤٩٣. (٢) جامع البيان ٦/ ٣٠٧. (٣) جامع البيان ٨/ ٥٠. وينظر: ٢/ ٢٨٣، ٦٣٩، ٣/ ٣٧٥، ٧/ ٤٩. (٤) جامع البيان ٩/ ١٨٥.