فإن قلت: ما ذكره الماوردي يظهر أنه متفرع على ما هو محكي عن عامة الأصحاب من أن سماع البينة من القاضي سبيله سبيل نقل شاهد الفرع شهادة شاهد الأصل، [أما] إذا قلنا: سبيله سبيل الحكم بقيام البينة- كما رآه الإمام الأظهر- فيظهر أن يقال ها هنا: إن للثاني أن يحكم، وإن كان من شهد عند الميت أو المعزول حاضراً؛ كما ينقل هو بنفسه ذلك إليه.
قلت: كلام الإمام الذي حكيته من قبل يأباه، بل مصرح بنفيه، لكن النص الذي وعدت به ثم لا يأباه، بل مصرح به.
واعلم أن ما ذكرناه من عمل المكتوب إليه بالكتاب عند موت الكاتب أو عزله منوط بما إذا لم يكن المكتوب إليه نائباً عن الكاتب، أما إذا كان نائباً عنه، فعمله به ينبني على أنه ينعزل بموته وعزله أم لا؟ وفيه طرق:
إحداها: إن كان الاستخلاف بغير الإذن وجوزناه انعزل، وإن كان بالإذن فوجهان، كذا حكاهما القاضي الحسين في باب ما على القاضي في الخصوم.
الثانية: ينعزل خلفاؤه إن كان خاص العمل كقاضي قرية أو صقع قد استخلف فيه من ينوب [عنه] في القضاء، وإن كان عام الولاية في جميع الأمصار كقاضي القضاة، ففي انعزال القضاة بموته وجهان:
أحدهما: لا ينعزلون؛ لعموم نظره كالإمام.
والثاني: ينعزلون بموته لخصوص نظره بالقضاء فكان كقاضي إقليم، وهذا ما أورده الماوردي.
الثالثة: وهي التي أوردها القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ- إطلاق وجهين فيه:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق وأبوي علي ابن أبي هريرة والطبري؛ كما نقله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والجمهور، كما قاله الرافعي، وجعله البندنيجي المذهب، واختاره في المرشد أنه ينعزل كالوكيل.
والثاني:- وهو ما صححه القاضي الحسين عند الكلام فيما نحن فيه، وقال في "البحر": إن القفال اختاره-: أنه لا ينعزل؛ لأنه نصبه لحكم المسلمين، لا في ملكه؛