للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

مِنْ هَذِهِ السُّورة، فيقرأُ آياتٍ، ثُمَّ (١) يَصِيرُ (٢) إِلَى سُورةٍ أُخرى، فيقرأ آياتٍ ... .

وروى سَعِيد بْن المسيّب (٣) ، وأبو سَلَمة (٤) ابنُ عبد الرحمن، وعُمَرُ مولى غُفْرَة (٥) عَمَّن حدَّثه (٦) ، كلُّهم عن النبيِّ (ص) - مُرسَلً (٧) -: أنَّ النبيَّ (ص) مَرَّ بِأَبِي بَكْر وَهُوَ يُخافِتُ صَوْتَهُ بالقِراءَة، ومَرَّ بعمر وَهُوَ يَجْهَرُ، ومَرَّ ببلال وَهُوَ يقرأ مِنْ هَذِهِ السُّورة ومِنْ هَذِهِ السُّورة؛ بدلا من عمَّار.

فَقِيلَ لأَبِي زرعة: فما الصَّحيحُ عندك: بلالٌ أو عمَّار؟

فَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: رَوَاهُ المدنيُّون عَلَى أَنَّهُ بلال، وَهُمْ (٨) أعلَمُ، وإنْ كَانَ رِوَايَتُهُمْ مُرسَلاً (٩) ،

فلولا أنَّهم سمعوه من أصحاب النبيِّ (ص) ،


(١) في (ت) و (ك) : «لم» بدل: «ثم» .
(٢) في (ك) : «تصير» .
(٣) روايته أخرجها عبد الرزاق في "المصنف" (٤٢٠٩ و٤٢١٠) ، وأبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص١٨٨) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٨٨١٨ و٣٠٢٥٠) .
(٤) في (ك) : «أبو أسلمة» .
(٥) روايته أخرجها أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص١٨٨) . وتصحف فيه: «غفرة» إلى «عفرة» بالعين المهملة.
(٦) في (ف) : «حديثهم» بدل: «حدثه» .
(٧) كذا بحذف ألف تنوين النصب على لغة ربيعة، وانظر تعليقنا في المسألة رقم (٣٤) .
(٨) في (ش) : «وهو» .
(٩) كذا في جميع النسخ، والجادَّة: «كانت روايتهم مُرسَلَةً» ، فهنا إشكالان؛ أولهما: تذكير الفعل مع الاسم المؤنَّث، وثانيهما: تذكير الخبر مع أن الاسم المخبر عنه مؤنث:
أما الإشكال الأوَّل، فيخرَّج تخريجين:
الأول: أن «الرواية» مؤنَّث غير حقيقي التأنيث، والفعل إذا أسند إلى اسمٍ مفردٍ غير حقيقي التأنيث فإنه يجوزُ معه تأنيث الفعل وتذكيره، وإنْ كان تأنيثُهُ أولى؛ وقد أوضحنا ذلك في التعليق على المسألة رقم (٢٢٤) .
والثاني: بالحمل على المعنى، حَمَلَ الرواية على المرويِّ؛ لأنها بمعناه، والتقدير: كان مرويُّهم أو ما رَوَوْهُ مرسلاً، وهذا حملٌ للمؤنَّث على المذكَّر، وبه ينحل الإشكال الثاني وهو كون «مرسلاً» مذكرًا مع تأنيث الرواية، فإنه لمَّا حمل «الرواية» على معنى «المروي» ذكَّر الفعل وذكَّر الخبر كذاك.
والحمل على المعنى - كما يقول ابن جني في "الخصائص" (٢/٤١١- ٤٣٥) -: «غَوْرٌ من العربية بعيد، ومذهب نازحٌ فسيحٌ؛ قد ورد به القرآن، وفصيحُ الكلام منثورًا ومنظومًا؛ كتأنيث المذكَّر، وتذكير المؤنَّث، وتصوُّر معنى الواحد في الجماعة، والجماعة في الواحد، وفي حَمْلِ الثاني على لفظٍ قد يكون عليه الأوَّل، أصلاً كان ذلك اللفظ أو فرعًا، وغير ذلك ... » إلى أن قال: «وتذكيرُ المؤنَّث واسعٌ جدًّا؛ لأنَّه رَدُّ فرعٍ إلى أصل» .
ومن شواهد حمل المؤنَّث على معنى المذكَّر: قولُهُ تعالى: [البَقَرَة: ٢٧٥] {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} ؛ لأنَّ الموعظة في معنى الوعظ - وهذا أحدُ قولين في الآية - وقولُهُ تعالى: [الأنعَام: ٧٨] {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي} ، أي: هذا الشخص، أو هذا المرئي، وقولُهُ تعالى: [الأعرَاف: ٥٦] {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} ، قيل: إنه أراد بالرحمة: المطر - في أحد الأقوال - وغير ذلك من الآيات.
ومن الأحاديث: ما رواه البخاري (١٦٣٦) ، ومسلم (١٦٣) ؛ أنَّه (ص) قال في حديث ليلة المعراج: «فنزل جبريلُ _ج، ففَرَجَ صَدْرِي، ثم غَسَلَهُ بماءِ زَمْزَمَ، ثم جاء بطَسْتٍ من ذَهَبٍ، ممتلئٍ حِكْمةً وإيمانًا، فأفرَغَهَا في صَدْري، ثم أطبقَهُ» ، قال النووي في "شرح مسلم" (٢/٢١٨) : «قد قدَّمنا لغاتِ الطَّسْت، وأنها مؤنَّثة، فجاء «ممتلئ» على معناها، وهو الإناء، و «أفرغها» : على لفظها» . اهـ. ومنه ما رواه الإمام أحمد في "مسنده" (٥/١٦١ رقم ٢١٤٣٢) من قول المعرور بن سُوَيْد: «رأيتُ أبا ذَرٍّ وعليه حُلَّةٌ، وعلى غُلَامِهِ مِثْلُهُ» ، ذكَّر الضمير في «مِثْلُهُ» ، وهو للحُلَّة؛ لأنَّ الحُلَّةَ ثوبٌ، فحملها على معناها.
ومن الشعر: قولُ عامر بن جُوَيْن الطائي [من المتقارب] :
فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا
ولا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا
ذهب بـ «الأرض» إلى: الموضع والمكان.
والشواهد على تذكير المؤنَّث أكثَرُ من أن تُحْصَى في كلام العرب شعرًا ونثرًا.
وانظر: "كتاب سيبويه" (٣/٥٦٥- ٥٦٦) ، و"المقتضب" للمبرِّد (٢/١٤٨- ١٤٩) ، و"إعراب الحديث النبوي" للعكبري (ص١٤٣، ١٤٨، ٣٩٠) ، و"الخصائص" (٢/٤١١- ٤١٥ فصل في الحمل على المعنى) ، و"الإنصاف" لابن الأنباري (٢/٧٦٣- ٧٧٧) ، و"الأشباه والنظائر في النحو" للسيوطي (٣/١٦٧- ١٦٨) ، وانظر تفصيل الكلام على الحمل على المعنى مطلقًا في "الأشباه والنظائر" للسيوطي (١/٤٠٦- ٤١٩) ، وقد علَّقنا في المسألة رقم (٨١) على تأنيث المذكَّر؛ فارجع إليه إنْ شئت.

<<  <  ج: ص:  >  >>