ولأنَّهم أيضاً لا يُحَرِّمُون ما حرَّم الله ورسوله، كما قال الله ﷿(١)، فلا معنى لإقامة حدِّ الزِّنا عليهم، أعني: حدَّ المسلمين، إذ لا يحَرِّمُون الزِّنا كما يحرِّمُهُ المسلمون.
ألا ترى: أَنَّهُ لا يقام عليهم الحدُّ في شرب الخمر كما يقام على المسلمين، فكذلك حدُّ الزِّنا مثله.
فإن قيل (٢): فقد رجم النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ يهوديين زنيا (٣).
قيل له: النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ إِنَّمَا أقام عليهم حدّ التَّوراة.
ألا ترى: أَنَّهُ سألهم: ما حدُّ الزَّاني المحصن فيكم؟، فقالوا: الجلد، فكذَّبهم عبد الله بن سَلَامٍ، وكان في التَّوراة الرَّجم، فأقام النَّبيُّ ﷺ حدّ التَّوراة عليهم، وقال:«اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً أَمَاتُوهَا»(٤)، وأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة:٤٤]، يعني: يحكم محمَّد صَلَّى الله عَلَيْهِ بحكم التوراة الَّذِي غيَّروه وأماتوه.
وقد روى موسى بن عقبة، عن نافعٍ، عن ابن عمر قال: «رَجَمَ النَّبِيُّ
(١) كما في قوله ﷿: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]. (٢) ينظر الاعتراض في: مختصر المزني، ص (٣٦٨)، أحكام القرآن للجصاص [٣/ ٣٨١]. (٣) متفق عليه: البخاري (٣٦٣٥)، مسلم [٥/ ١٢١]، وهو في التحفة [٦/ ٢٠٧]. (٤) أخرجه مسلم [٥/ ١٢٢]، وهو في التحفة [٣/ ٢٢].