تقدير عدم الإمكان كان يرشده إلى العلم بذلك. وإنما وقع لموسى ما وقع: لسؤاله ذلك قبل أوانه لا لاستحالته، ودعوى عدم علم موسى بجوازها يَجُرُّ إلى الكفر، لأنه يلزم منه أن يكون سفلة المعتزلة عالمين بما لم يعلمه كليم اللَّه تعالى.
وإذا تقرر جواز رؤيته، فلا يمتنع رؤيته في الدنيا (١) كما هو مذهب بعض الصحابة في رؤية رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ليلة المعراج (٢).
(١) اختلف في جواز رؤية اللَّه تعالى بالأبصار في الدنيا لعباده المؤمنين وأوليائه المتقين على جهة الكرامة على قولين: أحدهما: الجواز وهو منقول عن الأشعري، لأن موسى عليه السلام طلبها، وهو لا يجهل ما يجوز، ويمتنع على ربه تعالى، ومنع الجمهور منهم الوقوع. والثاني: المنع لأن قومه طلبوها فعوقبوا على ذلك واختاره المحققون لحصول الإجماع عليه، وخلاف الصحابة إنما كان في وقوع رؤية النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وليس الكلام هنا فيه بل في غيره، وقد ثبت في صحيح مسلم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه عز وجل حتى يموت". قال شيخ الإسلام: "وأجمعوا على أنهم -يعني المؤمنين- لا يرونه في الدنيا بأبصارهم، ولم يتنازعوا إلا في النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . ومن قال من الناس: إن الأولياء، أو غيرهم يرى اللَّه بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة لا سيما إذا ادعوا أنهم أفضل من موسى، فإن هؤلاء يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا". راجع: صحيح مسلم: ٨/ ١٩٣، ومجموع الفتاوى: ٢/ ٥١٦، وتشنيف المسامع: ق (١٦٢/ أ)، وهمع الهوامع: ص/ ٤٥٠، والغيث الهامع: ق (١٦٤/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٤١١، وشرح جوهرة التوحيد: ص/ ١١٨، والطحاوية مع شرحها: ١/ ٢٠٧. (٢) أما النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقد اختلف في رؤيته لربه ليلة المعراج، فذهب فريق إلى أنه رأى ربه ليلة المعراج، وذهب فريق آخر إلى أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم ير ربه. والسبب في اختلافهم ما روي عن =