للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

إن تصرَّف المشتري فيه (ببيع: فله) أي: للشفيع (أخذه بأحد البيعين)؛ لأن سبب الشفعة الشراء، وقد وجد في كل منهما، ولأنه شفيع في العقدين، فإن أخذ بالأول رجع الثاني على بائعه بما دفع له؛ لأن العوض لم يسلم له، وإن أجَّره: فللشفيع أخذه، وتفسخ به الإجارة هذا كله إن كان التصرُّف قبل الطلب؛ لأنه ملك المشتري، وثبوت حق التملّك للشفيع لا يمنع من تصرفه، وأما تصرفه بعد الطلب: فباطل؛

يلزم من كون حق الشفيع أسبق، وأقوى ممن طرأ: أن لا يملك المشتري تصرُّفًا يبطل حقه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الشفيع من الحيل التي يفعلها بعض الشركاء لإبطال الشفعة، وقد ذكر ابن القيم : أن من أنواع الحيل المنتشرة: "الحيل لإسقاط الشفعة"، فإن قلتَ: بل تسقط الشفعة فيما سبق من الصور، وهو قول أكثر الحنابلة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن الشفعة لو صحَّت هنا: للحق الضرر بالموهوب والموقوف عليه، والموصى له، والمتصدَّق عليه؛ لكون ملكه يزول عنه بغير عوض، فدفعًا للضرر عنه شُرع سقوط الشفعة هنا قلتُ: هذا لا يُسلَّم؛ لأن مصلحة الشفيع مقدمة على مصلحة هؤلاء؛ لكونه أسبق وجانبه أقوى، ولدفع الحيل لإسقاط الشفعة، فتكون المصلحة التي قلناها أعمّ وأسبق فتراعي، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" وقد سبق بيان ذلك. (فرع): لو أن بكرًا -في المثال السابق- أوصى بنصيبه لمحمد بأن يكون له: فإن هذا يُسقط الشفعة، فلا يجوز لزيد أن يأخذ ذلك النصيب من محمد بالشفعة، ولكن ذلك مشروط: بقبول الموصى له -وهو محمد- لهذه الوصية؛ فلو لم يقبل الموصى له ذلك: لما أسقطت الوصية الشفعة؛ للتلازم؛ حيث إن من شرط صحة الوصية: قبول الموصى له لها فيلزم من عدم قبولها: سقوطها بالشفعة، نظرًا لسبق حقه على حق الموصى له، هذا على رأي كثير من الحنابلة وهو رأي مرجوح، والراجح: ما قلناه: من أن الشفعة لا تسقط بالوصية مطلقًا -كما سبق في مسألة (٢٥) -.

<<  <  ج: ص:  >  >>