أنطقه اللّه بالمشان كما … رماه وسط الدّيوان بالخرس
وكان الحريريّ يزعم أنه من ربيعة الفرس، وكان مولعا بنتف لحيته عند الفكر، وكان يسكن في مشان البصرة (١)؛ فلما رجع إلى البصرة عمل عشر مقامات أخر وسيرهنّ، واعتذر من عيّه وحصره بالدّيوان، مما لحقه من المهابة (٢).
وللحريريّ عدة تصانيف طريفة لطيفة، كدرة الغواص، وملحة الإعراب؛ ويقال: إنه عملها لجواري الخليفة، فكن يحفظنها ويقمن ألسنتهنّ بها. قلت:
وهي بما حوت من العلم سهلة المأخذ، كأن شعرها غزل؛ ولو لم يكن منه إلا قوله:[الرجز]
ولن يطيب الوصل حتّى تسعدي … يا هند بالوصل الذي يروي الصّدى
* وله نظم ونثر في غير المقامات، ومنها قوله نثرا:(٣)
ولما استخدم الخادم فيما أهّل له آنفا، اعتمد في الخدمة ما يتهيب قلمه الإفصاح عنه، ويعرف بأن سعادة الديوان العزيز هي التي سنّت ما تسنّى منه، وتقدّم له الوعد بأنه عند تصفح مساعيه، يمنح من المساعفة بما يرتجيه، ولم يقدم قلمه على التذكير بالوعد الشريف، إلا بعد ما أنطقه لسان التوفيق للخدمة، وكفل له بمزيد الحظوة من النعمة؛ فإن اقتضت الآراء العلية إنجاز
(١) المشان: بليد فوق البصرة، كثيرة النخل، موصوفة بشدّة الوخم، وكان أصل الحريري منها. (وفيات الأعيان ٤/ ٦٧ ومعجم البلدان ٥/ ١٣١). (٢) إلى هنا ينتهي النقل عن ابن خلكان. (٣) رسائل الحريري ٣٩ أب (نسخة مكتبة الجامع الكبير بصنعاء، رقم ٦٢ أدب) وهي ناقصة من أوّلها بما لا يعلم مقداره.