واستبد صلاح الدين بملك ديار مصر، وكان أوّل ما بدأ به طلائع أن مضى ماشيا إلى دار نصر، وأخرج الظافر والخادم وغسلهما وكفنهما، وحمل الظافر في تابوت مغشّى، ومشى طلائع حافيا والناس كلهم، حتى وصلوا إلى القصر، فصلّى عليه ابنه الخليفة الفائز ودفن في تربة القصر.
خط سقيفة العدّاس (١): هذا الخط قيّما بين درب شمس الدولة والبندقانيين، كان يقال له أولا سقيفة العدّاس، ثم عرف بالصاغة القديمة، ثم عرف بالأساكفة، ثم هو الآن يعرف بالحريريين الشراريين، وبسوق الزجّاجين، وفيه يباع الزجاج. وهو خط عامر، وهذا العدّاس هو: علي بن عمر بن العدّاس أبو الحسن. ضمن في أيام المعز لدين اللّه كورة بوصير، فخلع عليه وجمله، وسار خليفته بالبنود والطبول، في جمادى الأولى سنة أربع وستين وثلثمائة.
فلما كان في أوّل خلافة العزيز بالله بن المعز لدين اللّه، ولاّه الوساطة، وهي رتبة الوزارة، بعد موت الوزير يعقوب بن كلس، ولم يلقبه بالوزير، فجلس في القصر لتسع عشر خلت من ذي الحجة، سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، وأمر ونهى ونظر في الأموال، ورتّب العمال، وأمر أن لا يطلق شيء إلا بتوقيعه، ولا ينفذ إلاّ ما أمر به وقرّره، وأمره العزيز بالله أن لا يرتفق، أي يرتشي، ولا يرتزق، يعني أنّه لا يقبل هدية، ولا يضيع دينارا ولا درهما، فأقام سنة وصرف في أوّل المحرّم من سنة ثلاث وثمانين، فقرّر في ديوان الاستيفاء إلى أن كان جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة حسن لأبي طاهر محمود النحوي الكاتب، وكان منقطعا إليه أن يلقى الحاكم بأمر اللّه، ويبلغه ما تشكوه الناس من تظافر النصارى، وغلبتهم على المملكة، وتوازرهم، وأنّ فهد بن إبراهيم هو الذي يقوّي نفوسهم، ويفوّض أمر الأموال والدواوين إليهم، وأنه آفة على المسلمين، وعدّة للنصارى، فوقف أبو طاهر للحاكم ليلا في وقت طوافه في الليل، وبلّغه ذلك.
ثم قال: يا مولانا إن كنت تؤثر جمع الأموال وإعزاز الإسلام، فأرني رأس فهد بن إبراهيم في طشت، وإلاّ لم يتم من هذا شيء.
فقال له الحاكم: ويحك، ومن يقوم بهذا الأمر الذي تذكره ويضمنه.
فقال: عبدك عليّ بن عمر بن العدّاس.
(١) في النجوم الزاهرة ٥٥/ ٤ عن المقريزي: محل هذه السقيفة اليوم الجزء الغربي من شارع الحمزاوي الصغير، بين حارة شمس الدولة وشارع الأزهر، وهذا الخط يشمل المنطقة التي يخترقها اليوم سوق السمك القديم وسوق الصيارف الكبير وحارتا السبع قاعات البحرية والقبلية وما بين ذلك من شارع السكة الجديدة.