أحدُهُما: أنَّ حديثَ ابنِ عَبَّاسٍ قد صُرِّحَ فيهِ بأنَّ جهادَ مَن لا يَرْجِعُ مِن نفسِهِ ومالِهِ بشيءٍ يَفْضُلُ على العملِ في العشرِ، فيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الحجُّ أفضلُ مِن الجهادِ؛ إلَّا جهادَ مَن لمْ يَرْجِعْ مِن نفسِهِ ومالِهِ بشيءٍ، ويَكونُ هوَ المراد (٣) مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ، ويَجْتَمعُ حينئذٍ الحديثانِ.
والثاني - وهوَ الأظهرُ -: أنَّ العملَ المفضولَ قد يَقْتَرِنُ بهِ ما يَصيرُ أفضلَ مِن الفاضلِ في نفسِهِ كما تَقَدَمَ. وحينئذٍ؛ فقد يَقْتَرِنُ بالحجِّ ما يَصيرُ بهِ أفضلَ مِن الجهادِ، وقد يَتَجَرَّدُ عن ذلكَ فيَكونُ الجهادُ حينئذٍ أفضلَ منهُ: فإنْ كانَ الحجُّ مفروضًا؛ فهوَ أفضلُ مِن التَّطوُّعِ بالجهادِ؛ فإن فروضَ الأعيانِ
(١) البخاري (٢ - الإيمان، ١٨ - من قال إنّ الإيمان هو العمل، ١/ ٧٧/ ٢٦)، ومسلم (١ - الإيمان، ٣٦ - الإيمان بالله أفضل الأعمال، ١/ ٨٨/ ٨٣). (٢) يعني أن تفضيل التطوّع بالجهاد على التطوّعِ بالحجّ روي عن جماعة من الأئمّة، وعن عبد الله بن عمرو موقوفًا، وفيه أحاديث مرفوعة لا تصحّ، وانظر شيئًا من هذه المرويّات في "الدرّ المنثور" (التوبة ١٩). (٣) في خ وم: "ويكون هذا المراد"، والأولى ما أثبتّه من ن وط.