دَرَكَاتُ الْجَحِيمِ -أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا- بَعْضُهَا أَشَدُّ، فَالَّذِي دُونَ الْأَشَدِّ أَخَفُّ مِنَ الْأَشَدِّ، وَالْخِفَّةُ مِمَّا يَقْتَضِيهِ وَصْفُ الرَّحْمَةِ الَّتِي تُحَصِّلُ مَصْلَحَةً مَا.
وَأَيْضًا، فَالْقَدْرُ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ الْعَذَابُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يُتَوَهَّمُ فَوْقَهُ خَفِيفٌ، كَمَا أَنَّهُ شَدِيدٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ دُونَهُ، وَإِذَا تُصُوِّرَتِ الْخِفَّةُ وَلَوْ بِنِسْبَةٍ مَا، فَهِيَ مَصْلَحَةٌ فِي ضِمْنِ مَفْسَدَةِ الْعَذَابِ، كَمَا أَنَّ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ كَذَلِكَ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ عَلَى قَدْرِ١ الْعَمَلِ، وَإِذَا كَانَ عَمَلُ الطَّاعَةِ قَلِيلًا بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْمُخَالَفَةِ، كَانَ الْجَزَاءُ على تلك بالنسبة، وَمَعْلُومٌ أَنَّ رُتْبَةَ آخِرِ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ليست كرتبة من لم يعص الله [تعالى] ٢ وَدَأَبَ عَلَى الطَّاعَاتِ عُمُرَهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَجْلِ عَمَلِ الْأَوَّلِ السَّبَبِيِّ، فَكَانَ جَزَاؤُهُ عَلَى الطَّاعَةِ فِي الْآخِرَةِ نَعِيمًا كَدَّرَهُ عَلَيْهِ كَثْرَةُ الْمُخَالَفَةِ، وَهَذَا مَعْنَى مُمَازَجَةِ الْمَفْسَدَةِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالْقِسْمَانِ مَعًا قِسْمٌ وَاحِدٌ٣.
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي الْمَنْقُولِ أَلْبَتَّةَ أَنْ تَكُونَ الْجَنَّةُ مُمْتَزِجَةَ النَّعِيمِ بِالْعَذَابِ، وَلَا أَنَّ فِيهَا مَفْسَدَةً مَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، هَذَا مُقْتَضَى نَقْلِ الشَّرِيعَةِ، نَعَمِ، الْعَقْلُ لَا يُحِيلُ ذَلِكَ، فَإِنَّ أَحْوَالَ الْآخِرَةِ لَيْسَتْ٤ جَارِيَةً عَلَى مُقْتَضَيَاتِ الْعُقُولِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي النَّارِ: إِنَّ فِيهَا لِلْمُخَلَّدِينَ رَحْمَةً تَقْتَضِي مَصْلَحَةً مَا، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزخرف:٧٥]
١ هكذا في الأصل، وفي النسخ المطبوعة و"ط": "حسب".٢ زيادة من خ".٣ لا بد فيه من الامتزاج كحالة الدنيا. "د".٤ في "ط": "غير".
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute