فقلتُ: لقد كان زكرِيَّا صبَّارًا، إلهي وسيدِي، لئِن ابتَلَيتَنِي لأصبرنَّ. وسرتُ حتى دخلتُ أَنْطاكيَة، فرآنِي بعضُ إخوانِي، وعلمَ أنِّي أريدُ الثَّغر، فدفَع إليَّ سَيفًا وتُرسًا وحربةً فدخلتُ الثِّغرَ، وكنتُ حينئذٍ أحتشِمُ من اللهِ تعالى أن أُرى وَراءَ سُورٍ خِيفَةً من العدوِّ، فجعلتُ مقامِي في غابةٍ أكونُ فيها بالنَّهارِ وأخرُجُ باللَّيلِ إلى شط البحرِ، فأغرِزُ الحربَةَ علَى السَّاحِل، وأسندُ التُّرسَ إليها محِرابًا، وأتقلَّدُ سيفِي وأصلِّي إلى الغدَاةِ، فإذا صلَّيتُ الصُّبحَ غدوتُ إلى الغابةِ فكنتُ فيها نهارِي أجمع.
فبدوتُ في بعضِ الأيامِ فعثرتُ بشجَرَةٍ، فاستَحسنتُ ثمرَها ونسيتُ عَقدِي مع اللهِ، وقسمِي به أنِّي لا أمدُّ يدِي إلى شَيءٍ مما تُنبت الأرض، فمددتُ يدي فأخذتُ بعضَ الثَّمرةِ، فبينا أنا أمضغُهَا ذكرتُ العقد، فَرميتُ بها مِن فمِي وجعلتُ يدَيَّ على رأسِي فَدارَ بِي فُرسان، وقالوا: قُم، فأخرَجونِي إلى السَّاحل، فإذا أميرٌ وحولهُ خيلٌ ورَجَّالة، وبينَ يدَيهِ جماعةٌ سودان كانُوا يقطعونَ الطريقَ، وقد أخَذَهم، وافترقَت الخَيلُ فِي طَلَبِ مَن هربَ منهم، فوجدُونِي أسْودَ، معِي سيفٌ وتُرْسٌ وحربةٌ، فلمَّا قدمتُ إلى الأمِير، فقال: أيش أنت؟
قلتُ: عبدٌ مِن عِبادِ الله!
فقال للسّودان: تعرفونه؟
قالوا: لا.
قال: بلَى هُو رئيسُكُم، وإنَّما تفدُونهُ بأنفُسِكم لأقطعنَّ أيدِيَكُم وأرجُلَكُم، قدِّمُوهُم، فلَم يزَل يُقدِّمُ رَجلًا رَجلًا ويقطَعُ يدَهُ ورِجلَهُ حتى انتهى إليَّ.
= التاريخ الكبير للبخاري ٦/ ١٣٨ والكامل في الضعفاء ٥/ ٣٣٧ والضعفاء والمتروكين للنسائي ص ٧٠ والميزان ٤/ ٤١٩.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute