للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فقال: تقدّم، مدَّ يدكَ، فمددُتها فقُطِعت، ثمَّ قال: مدَّ رِجلَكَ، فمددُتَها ورَفعتُ رأسِي إلى السَّماء، فقلت: إلهي وسيِّدِي يدي جَنَتْ ورِجِلي إيش عمِلت؟! فإذا بفَارِسٍ قد وَقَف على الحلقَةِ ورَمَى بنفسِهِ إلى الأرضِ وصاح: إيش تعملون؟! تريدُون أن تنطبِقَ الخضرَاءُ على الغبراء! هذا رجلٌ صالحٌ يُعرَفُ بأبي الخَير، فرمَى الأمير بِنفسِهِ وأخذَ يدِي المقطُوعَة من الأرضِ، فقبَّلَها وتعلَّق بِي يُقبِّلُ صدرِي ويبكِي ويقول: سألتُك باللهِ اجعلني في حلٍّ.

فقلتُ: قد جعلتُكَ في (١) أوَّلِ ما قطعتَها، هذِه يدٌ جَنَتْ فقُطِعَتْ (٢).

قال المصنِّفُ : فانظُروا إخوانِي رحمكُم اللهُ إلى عدمِ العلمِ كيفَ صنعَ بِهذا الرَّجُل! وقد كانَ مِن أهلِ الخَيرِ، فلو كان عِندَهُ عِلمٌ عَلِمَ أنَّ ما فَعَلهُ حرامٌ علَيهِ، وليسَ لإبليسَ عَونٌ على العُبَّادِ والزُّهَّاد أكثرُ من الجهل.

• أخبرنا أبو بكرِ بن حبيب، قال: أنا أبو سَعيدِ بنُ أبي صادقٍ، قال: أنا ابنُ باكويه، قال: سمعتُ الحسَينَ بنَ أحمدَ الفارِسِيَّ يقول: سمعتُ محمدَ بن داودٍ الدّينَوَري يقول: سمعتُ ابنَ حديقٍ يقول: دخَلنَا المصِّيصَة معَ حاتِمٍ الأصمِّ، فاعتقَدَ أنهُ لا يأكُلُ فيها شيئًا إلَّا ويفتحُ فمَه ويوضَعُ فيهِ ما يأكل، فقال لأصحابِهِ: افترِقوا.

وجلَسَ فأقامَ تِسعَةَ أيَّامٍ لا يأكُلُ فيها شيئًا، فلمَّا كان يومُ العاشِر جاء إليه إنسانٌ فوَضَعَ بينَ يديهِ شيئًا يؤكلُ، فقال: كُل. فلَم يُجِبْهُ. فقال له: ثلاثًا فلم يُجبه. فقال: هذا مجنونٌ، فأصلَحَ لُقمَةً وأشارَ بِها إلى فمِه، فلم يفتح فمَه ولَم يُكلِّمهُ، فأخرَجَ مفتاحًا كان في كُمِّهِ وقال: هذا مجنونٌ. ففَتَح فيهِ بالفتاحِ ودسَّ اللُّقمةَ فِي فمهِ، فأكل، ثمَّ قال له: إن أحببتَ أن ينفَعَك الله بهِ فأطعِم أولئك، وأشارَ بيدِهِ إلى أصحابه (٣).


(١) في (ت): في حل من أول ..
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦٦/ ١٦٣ - ١٦٦ وذكره مختصرًا أبو نعيم في حلية الأولياء ١٠/ ٣٧٨ وكذا الذهبي في السير ١٦/ ٢٣.
(٣) أخرجه المؤلف من طريق ابن باكويه، وكتابه في عداد المفقود.

<<  <   >  >>