للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ووارَيتُ جَسَدِي فِيها إلى صَدرِي، فسمعتُ صوتًا في نصفِ الليل عاليًا: يا أهلَ المرحلةِ إنَّ للهِ وليًا حبسَ نفسَهُ في هذا الرَّملِ فالحقوهُ، فجاءَ جماعةٌ فأخرجُونِي وحملُونِي إلى القَريةِ (١).

قال المصنِّفُ قلت: لقد تنطَّعَ هذا الرَّجلُ على طبعِهِ، فأرادَ منهُ ما لم يوضَع عليهِ؛ لأنَّ فِي طبعِ الآدمِيِّ الهشَاشةَ إلى ما يُحبُّ، ولا لَومَ على العَطشَانِ إذا هشَّ إلى الماءِ، ولا على الجائعِ إذا هشَّ إلى الطَّعام، وكذلك كل مَن هشَّ إلى محبوبٍ له.

وقد كان النبيُّ إذا قدِم مِن سَفَرٍ فلاحَت له المدينةُ، أسرَعَ السَّيرَ حُبًا للوطَن (٢)، ولمَّا خرَجَ مِن مَكَّة تلفَّتَ شَوقًا إلَيها (٣)، وكان بلالٌ يقول: لعنَ اللهُ عتبةَ عتبةَ وشيبةَ! إذْ أخرجُونا مِن مكَّة، ويقول:

ألا لَيتَ شِعرِي هل أبيتنَّ ليلةً … بوادٍ وحَولِي إذخرٌ وجَلِيلُ (٤)

فنعوذُ باللهِ من الإعراضِ عن العمَلِ بمقتضَى العِلمِ والعقل، ثمَّ حَبْسُهُ لنفسِهِ عن صلاةِ الجماعةِ قَبِيحُ، وأيُّ شَيء في هذا مِن التَّقرُّبِ إلى الله سبحانهُ، إنما هُو محضُ جَهلٍ!


(١) أخرجه القشيري في الرسالة ص ١٧١ أو ١/ ٤٣٢ وابن عساكر في تاريخ دمشق ٥/ ١٤٢ وذكره الغزالي في الإحياء ٤/ ٢٧١.
(٢) أخرجه البخاري مختصرًا رقم (٤٤٢٢) وبنحوه برقم (١٨٠٢) وأخرجه مسلم رقم (١٣٩٢). وأخرجه البخاري برقم (١٨٨٦) عن أنس ، والترمذي رقم (٣٤٤١) وقال: "حسن صحيح غريب".
(٣) لعل المصنف أراد بذلك حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء، أخرجه الترمذي رقم (٣٩٢٥) وقال: حسن غريب صحيح، والنسائي في الكبرى ٢/ ٤٧٩ رقم (٤٢٥٢) وابن ماجه رقم (٣١٠٨) والدارمي رقم (٢٥١٠)، والإمام أحمد في المسند ٤/ ٣٠٥ وأخرجه الحاكم ٣/ ٨ وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وصححه الألباني في صحيح الترمذي رقم (٣٠٨٢). وصحيح ابن ماجه رقم (٢٥٢٣).
(٤) أخرجه البخاري من حديث عائشة رقم (١٧٩٠) وأخرجه مسلم مختصرًا رقم (١٣٧٦) والنسائي في الكبرى ٤/ ٣٦١ ومالك في الموطأ ٢/ ٨٩٠ وابن أبي شيبة ٥/ ٢٧٥ والإمام أحمد ٦/ ٨٢ - ٢٦٠ وابن حبان ٩/ ٤٠ ومسند عائشة لابن أبي داود ١/ ٦٠.

<<  <   >  >>