وبَيَّن في آية "المائدة" أنَّ السُّؤال: مَاذا أجَابَكم قَومُكم في التَّوحِيد؟ وأنَّ الرُّسُل قَالوا: (لَا عِلْمَ لَنَا) مِنْ هَول ذلك اليَوم، ومِن شِدَّة الْمَسْألة، وهي في بَعض مَوَاطِن يَوْم القِيَامَة. قَالوا: (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) مَا كَان ومَا لَم يَكُنْ.
وذَكَر مَا رَواه أسْباط عن السُّدي قَال: نَزَلُوا مَنْزِلًا ذَهَبَتْ فيه العُقُول، فَلَمَّا سُئلُوا قَالوا: (لَا عِلْمَ لَنَا)، ثم نَزَلُوا مَنْزِلًا آخَر فَشَهِدُوا على قَومِهم.
ويُقال: هذا عند زَفرة جَهَنَّم، فَلا يَبْقَى مَلَك مُقَرَّب ولا نَبِيّ مُرْسَل عِند ذلك إلَّا قال: نَفْسِي نَفْسِي، فَعِنْد ذَلك (لَا عِلْمَ لَنَا).
ويُقَال: كَان ذَلك عِند أوَّل البَعْث، ثم يَشْهَدُون بَعْد ذَلك بِتَبْلِيغ الرِّسَالة (١).
وأوْضَح السمعاني الْمُرَاد بالشَّهِيد في آيَة "النساء" فَقَال: وأرَاد بالشَّهِيد مِنْ كُلّ أمّة نَبِيّها، وشَهِيد هَذه الأمَّة نَبِيّنا.
وذَكَر الاخْتِلاف في شَهَادَتِهم على مَاذا؟
مِنهم مَنْ قال: يَشْهَدُون على تَبْلِيغ الرِّسَالَة.
ومِنهم مَنْ قال: يَشْهَدُون على الأُمَّة بِالأعْمَال.
قال: واخْتَلَفُوا في أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم هل يَشْهَد على مَنْ لَم يَرَه؟
مِنهم مَنْ قال: إنّمَا يَشْهَد عَلى مَنْ رَآه، والصَّحِيح أنه يَشْهَد على الكُلّ عَلى مَنْ رَأى، وعَلى مَنْ لَم يَرَ.
واسْتَدَلّ على ذلك بِمَا جَاء عنه عليه الصلاة والسلام: هذا يَا رَبّ فيمن رَأيْتُه فَكَيف بِمَنْ لَم أرَه؟ (٢)
وفي آيَة "النحل" أحَال على مَا سَبق بَيانه، وأنَّ مَعْنَى الآيَتَين وَاحِد (٣).
(١) بحر العلوم، مرجع سابق (١/ ٤٤٨، ٤٤٩).
(٢) تفسير القرآن، مرجع سابق (١/ ٤٢٨، ٤٢٩).
(٣) المرجع السابق (٣/ ١٩٥).