للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الإفراد والتذكير وفروعهما؛ "والأغلب أن تكون صيغته ملازمة الإفراد والتذكير، فإن كانت كذلك في أصلها لم يجز تثنيتها، ولا جمعها، ولا تأنيثها، ولا إخراجها عن وزنها الأول١" ... تقول: رأيت في المحكمة قاضيًا عدْلًا، وشهودًا صدْقًا، ونظامًا رِضًا، وجموعًا زَوْرًا٢ بين المتقاضين ... تريد: قاضيًا عادلًا، وشهودًا صادقين، ونظامًا مرضيًّا، وجموعًا زائرة بين المتقاضين....

فالمعنى على تأويل المصدر باسم مشتق كالسابق، ويصح أن يكون على تقدير مضاف محذوف هو النعت، ثم حُذف وحلّ المصدر محله، وأعرب نعْتًا مكانه. والأصل: قاضيًا صاحبَ عدل –شهودًا أصحابٌ صدق– نظامًا داعيَ رضا– جموعًا أصحاب زَوْر، "أي: أصحاب زيارة"، والداعي للنعت بالمصدر مباشرة وترك المشتق، أو المضاف المحذوف على الوجه السالف أن النعت بالمصدر أبلغ وأقوى؛ لما فيه من جعل المنعوت هو النعت. أي: هو نفس المعنى؛ مبالغة.

وقد اختلف رأي النحاة في وقوع المصدر نعتًا؛ أقياسيّ هو أم مقصُور على السماع؟ وأكثرهم يميل إلى قصره على السماع، مع اعترافهم بكثرته في الكلام العربي الفصيح٣، وأنه أبلغ في أداء الغرض من المشتق٤. وهذا الاعتراف


١ إلا في حالات أشهرها أن يكون المصدر مسموعًا بالتأنيث أصلًا؛ نحو: رحمة، شفقة، فإن تاء التأنيث ملازمة لهما. أو أن يشيع الوصف بالمصدر، ويشتهر استعماله نعتًا، فيجوز تثنيته وجمعه قياسًا؛ لغلبة الوصف عليه كقول الشاعر:
وبايعتُ ليلَى في الخلاءِ ولم يكن ... شهودٌ على ليلي، عدولُ مَقَانعُ
المفرد، َدْل، بمعنى: عادل.
٢ الزور هنا: الزيارة.
٣ وفي مقدمته القرآن الكريم –ولا سيما سورة الجن– ومما ورد في غيرها كلمة: "بُور"، بمعنى "هلاك" في قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} أي: هلاكًا، بمعنى: هالكين وهو في أصله مصدر يوصف به المفرد، والمثنى والجمع، والمؤنث، والمذكر مع تأويله في كل ذلك بالمشتق "اسم فاعل ... " وقيل إنه جمع: "بائر" مثل: "حائل وحول" فيكون على هذا مشتقًا لا مصدرًا مؤولًا بالمشتق. أما في سورة الجن فقد جاء النعت بالمصدر في قوله تعالى: {فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا....} أي عجيبًا -وكلمة؛ "عجب" مصدر –في قوله تعالى: {مَاءً غَدَقًا ... } أي كثيرًا وفي كلمة: "صُعُدًا" بمعنى صعود في قوله تعالى: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} . والصُّعُدُ: هو الصعود بمعنى: المشقة، وجاء كذلك في قوله تعالى: في إخوة يوسف: {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ... } .
٤ فقد قرر علماء البلاغة أن النعت بالمصدر يكون من باب: المبالغة، أو: من مجاز =

<<  <  ج: ص:  >  >>