وأما استمرار السَّلف عليها، فلإنكار سيدنا عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- على من رفع صوته، بقوله:«استغفروا لأخيكم» ، فقال له سيدنا عبد الله:«لا غفر الله لك»(١) ، وما قال له ذلك؛ إلا لكونه أحدث حدثاً في الدِّين، لم يكن في زمنه - صلى الله عليه وسلم -، وعليه فنقول: رفع الأصوات خلف الجنائز لا يحبّه الله، ولا هو من العمل الذي كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكلُّ ما كان كذلك فهو ردٌّ على صاحبه، فَرَفْعُ الأصوات خلف الجنائز رَدٌّ على صاحبه؛ لنصِّ الحديث المحكم، قال مالك -رحمه الله تعالى-: «ومن أحدث في هذه الأمة شيئاً، لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خان الدِّين؛ لأنَّ الله يقول:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}[المائدة: ٣] ، فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً»(٢) .
وقال سيدنا حذيفة بن اليمان (٣) -رضي الله عنه-: «كلُّ عبادة لم يتعبَّدها أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا تتعبدوها، فإنّ الأولَ لم يدع للآخر مقالاً، فاتَّقوا الله يا معشر القُرَّاء، وخذوا بطريق مَن كان قبلكم (٤) » ونحوه لابن مسعود -رضي الله عنه- (٥) ا. هـ.
والخير كله في اتباع من سلف ... والشر كله في ابتداع من خلف
(١) مضى تخريجه. (٢) ذكره الشاطبي في «الاعتصام» (١/٦٢ و٢/٣٦٨ - بتحقيقي) ، وصاحب «تهذيب الفروق» (٤/٢٢٥) ، وهو في «الإمام مالك مفسراً» (ص ١٦٨) . (٣) في الأصل: «اليماني» ! (٤) تقدم تخريجه في التعليق على (ص ٥٩) . (٥) ورد عنه بألفاظ عديدة، انظرها مع تخريجها في «الاعتصام» (١/١٢٥، ١٢٦، ١٢٧ - بتحقيقي) .