كذلك الله إذا ما عفا ... عن عبده أدخله الجنّة فأمر بإطلاقه، وسوّغه ذلك المال، وأبرأه من التبعة فيه.
وفي الخامسة والأربعين: عرض على المنصور بن أبي عامر اسم أحد خدمه في جملة من طال سجنه، وكان شديد الحقد عليه، فوقّع على اسمه بأن لا سبيل إلى إطلاقه حتى يلحق بأمّه الهاوية، وعرّف الرجل بتوقيعه، فاغتم (١) وأجهد نفسه في الدعاء والمناجاة، فأرق المنصور إثر ذلك، واستدعى النوم فلم يقدر عليه، وكان يأتيه عند تنويمه آتٍ كريه الشخص عنيف الأخذ يأمره بإطلاق الرجل، ويتوعّده على حبسه، فاستدفع شأنه مراراً إلى أن علم أنّه نذير من ربّه، فانقاد لأمره، ودعا بالدواة في مرقده فكتب بإطلاقه، وقال في كتابه: هذا طليق الله على رغم أنف ابن أبي عامر، وتحدث الناس زماناً بما كان منه.
وفي الثامنة والأربعين (٢) ما نصّه: انتهت هيبة المنصور بن أبي عامر وضبطه للجند واستخدام ذكور الرجال وقوّام الملك إلى غاية لم يصلها ملك قبله، فكانت مواقفهم في الميدان على احتفاله مثلاً في الإطراق، حتى إن الخيل لتتمثّل إطراق فرسانها فلا تكثر الصهيل والحمحمة، ولقد وقعت عينه على بارقة سيف قد سلّه بعض الجند بأقصى الميدان لهزل أو جدّ بحيث ظن أن لحظ المنصور لا يناله، فقال: عليّ بشاهر السيف، فمثل بين يديه لوقته، فقال: ما حملك على أن شهرت سيفك في مكان لا يشهر فيه إلاّ عن إذن؟ فقال: إنّي أشرت به إلى صاحبي مغمداً فزلق من غمده، فقال: إن مثل هذا لا يسوغ بالدعوى، وأمر به فضربت عنقه بسيفه، وطيف برأسه، ونودي عليه بذنبه؛ انتهى.