ونداوة، فضحك إليهم وأدنى مجلسهم، وقال: خبروني كيف جئتم؟ وعلى أيّ حال وصلتم؟ وقد استكان كل ذي روح في كنّه، ولاذ كلّ طائرٍ بوكره، فقال له أبو الناس بكلامه: يا مولانا، ليس كل التّجار قعد عن سوقه، وإذا عذر التجار على طلب الربح بالفلوس فنحن أعذر بإدراكها بالدر ومن غير رؤوس الأموال، وهم يتناوبون الأسواق على أقدامهم ويذيلون في قصدها ثيابهم، ونحن نأتيك على خيلك، ونذيل على صهواتها ملابسك، ونجعل الفضل في قصدك مضموناً إذا جعله أولئك طمعاً ورجاء، فترى لنا أن نجلس عن سوقنا هذا؟ فضحك المنصور ودعا بالكسا والصّلات، فدفعت لهم، وانصرفوا مسرورين بغدوتهم.
وفي الزهرة الرابعة والأربعين ما نصّه: كان بقرطبة على عهد الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر فتى من أهل الأدب قد رقّت حاله في الطلب، فتعلّق بكتاب العمل، واختلف إلى الخزانة مدة، حتى قلّد بعض الأعمال، فاستهلك كثيراً من المال، فلمّا ضمّ إلى الحساب أبرز عليه ثلاثة آلاف دينار، فرفع خبره إلى المنصور، فأمر بإحضاره، فلمّا مثل بين يديه ولزمالإقرار بما برز عليه قال له: يا فاسق، ما الذي جرّأك على مال السلطان تنتهبه؟ فقال: قضاء غلب الرأي، وفقر أفسد الأمانة، فقال المنصور: والله لأجعلنّك نكالاً لغيرك، وليحضر كبل وحدّاد، فأحضرا، فكبل الفتى وقال: احملوه إلى السجن، وأمر الضابط بامتحانه والشدّة عليه، فلمّا قام أنشأ يقول:
أوّاه أوّاه وكم ذا أرى ... أكثر من تذكار (١) أوّاه
ما لامرئ حولٌ ولا قوّةٌ ... الحول والقوّة لله فقال المنصور: ردوه، فلمّا ردّ قال: أتمثلت أم قلت؟ قال: بل قلت، فقال: حلّوا عنه كبله، فلمّا حلّ عنه أنشأ يقول: