مدينة سالم، وقد نصب على قبر المنصور بن أبي عامر سريره، وامرأته متكئة إلى جانبه، فقال لي: يا شجاع، أما تراني قد ملكت بلاد المسلمين، وجلست على قبر ملكهم؟ قال: فحملتني الغيرة أن قلت له: لو تنفّس صاحب هذا القبر وأنت عليه ما سمع منك ما يكره سماعه، ولا استقر بك قرار، فهمّ بي، فحالت امرأته بيني وبينه، وقالت له: صدقك فيما قال، أيفخر مثلك بمثل هذا؟
وهذا تلخيص ترجمة المنصور من كلام ابن سعيد (١) ، قال رحمه الله: ترجمة الملك الأعظم المنصور أبي عامر محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي عامر بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك، المعافري، من قرية تركش (٢) ، وعبد الملك جدّه هو الوافد على الأندلس معطارق في أوّل الداخلين من العرب، وأمّا المنصور فقد ذكره ابن حيّان في كتابه المخصوص بالدولة العامرية، والفتح في المطمح، والحجاري في المسهب، الشّقندي في الطرف، وذكر الجميع أن أصله من قرية تركش، وأنّه رحل إلى قرطبة، وتأدب بها، ثم اقتعد دكاناً عند باب القصر يكتب فيه لمن يعنّ له كتب من الخدم والمرافعين للسلطان، إلى أن طلبت السيدة صبح أم المؤيد من يكتب عنها، فعرّفها به من كان يأنس إليه بالجلوس من فتيان القصر، فترقّى إلى أن كتب عنها، فاستحسنته ونبّهت عليه الحكم ورغبت في تشريفه بالخدمة، فولاّه قضاء بعض المواضع، فظهرت منه نجابة، فترقّى إلى الزكاة والمواريث بإشبيلية وتمكّن في قلب السيدة بما استمالها به من التّحف والخدمة ما لم يتمكن لغيره ولم يقصر - مع ذلك - في خدمة المصحفيّ الحاجب، إلى أن توفّي الحكم وولي ابنه هشام المؤيد، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فجاشت الروم، فجهز المصحفيّ ابن أبي عامر لدفاعهم، فنصره الله عليهم، وتمكّن حبّه من قلوب الناس.
(١) راجع المغرب ١: ٣٩٤ والنص عند المقري مختلف عما ورد في كتاب ابن سعيد، ولم يقل المقري إنه ينقل عن المغرب؛ وانظر المقتطفات (الورقة: ٨٦ - ٨٧) . (٢) كذا هنا، وفي المغرب: " كرتش " وفي المعجب: طرش من أعمال الجزيرة الخضراء.