الحصون التي تضرّ بالثغور، وأن لا يظاهروا عليه أهل ملّتهم، وأن ينذروا بما يكون من النصارى في الإجلاب على المسلمين.
ثم وصلت رسل غرسية بن شانجة ملك البشكنس في جماعة من الأساقفة والقواميس يسألون الصلح، بعد أن كان توقف وأظهر المكر، فعقد لهم الحكم، فاغتبطوا ورجعوا.
ثمّ وفدت على الحكم أم لذريق بن بلاشك القومس (١) بالغرب من جليقية، وهو القومس الأكبر، فأخرج الحكم لتلقّيها أهل دولته، واحتفل لقدومها في يوم مشهود مشهور، فوصلت وأسعفت، وعقد السلم لابنها كما رغبت، ودفع لها مالاً تقسّمه بين وقدها، دون ما وصلت به هي، وحملت على بغلة فارهة بسرج ولجام مثقلين بالذهب وملحفة ديباج، ثم عاودت مجلس الحكم للوداع، فعاودها بالصّلات لسفرها، وانطلقت.
ثمّ أوطأ عساكره أرض العدوة من المغرب الأقصى والأوسط، وتلقّى دعوته ملوك زناتة من مغراوة ومكناسة، فبثّوها في أعمالهم، وخطبوا بها على منابرهم، زاحموا بها دعوة الشّيعة فيما بينهم، ووفد عليه من بني خزر وبني أبي العافية، فأجزل صلتهم، وأكرم وفادتهم، وأحسن منصرفهم، واستنزل بني إدريس من ملكهم العدوة في ناحية الرّيف، وأجازهم البحر إلى قرطبة، ثم جلاهم إلى الإسكندرية.
وكان محبّاً للعلوم، مكرماً لأهلها، جمّاعاً للكتب في أنواعها بما لم يجمعه أحد من الملوك قبله، قال أبو محمد بن حزم: أخبرني تليد الخصيّ - وكان على خزانة (٢) : العلوم والكتب بدار بني مروان - أن عدد الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة، وفي كل فهرسة عشون ورقة (٣) ، ليس فيها
(١) لذريق بن بلاشك (أو بلشك) (Rodrigo Velasques) وأمه هي: (Oneca) . (٢) انظر الجمهرة: ١٠٠ وابن خلدون ٤: ١٤٦. (٣) الجمهرة: خمسون ورقة.