إلا ذكر أسماء الدواوين لا غير، وأقام للعلم والعلماء سوقاً نافقة جلبت إليها بضائعه من كل قطر. ووفد على أبيه (١) أبو عليّ القالي صاحب كتاب الأمالي من بغداد فأكرم مثواه، وحسنت منزلته عنده، وأورث أهل الأندلس علمه، واختص بالحكم المستنصر واستفاد علمه؛ وكان يبعث في الكتب (٢) إلى الأقطار رجالاً من التجار، ويرسل (٣) إليهم الأموال لشرائها، حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه، وبعث في كتاب الأغاني إلى مصنفه أبي الفرج الأصفهاني، وكان نسبه في بني أمية، وأرسل إليه فيه بألف دينار من الذهب العين، فبعث إليه بنسخة منه قبل أن يخرجه إلى العراق، وكذلك فعل مع القاضي أبي بكر الأبهري المالكي في شرحه لمختصر ابن عبد الحكم، وأمثال ذلك. وجمع بداره الحذّاق في صناعة النّسخ والمهرة في الضبط والإجادة في التجليد، فأوعى من ذلك كلّه، واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده، إلاّ ما يذكر عن الناصر العباسيّ بن المستضيء، ولم تزل هذه الكتب بقصر قرطبة إلى أن بيع أكثرها في حصار البربر، وأمر بإخراجها وبيعها الحاجب واضح من موالي المنصور بن أبي عامر، ونهب ما بقي منها عند دخول البربر قرطبة واقتحامهم إياها عنوة، انتهى كلام ابن خلدون ببعض اختصار.
ولنبسط الكلام على الحكم فنقول (٤) : إن الحكم المستنصر اعتلى سرير الملك ثاني يوم وفاة أبيه يوم الخميس، وقام بأعباء الملك أتم قيام، وأنفذ الكتب إلى الأفاق بتمام الأمر له، ودعا الناس إلى بيعته، واستقبل من يومه النظر في تمهيد سلطانه، وتثقيف مملكته، وضبط قصوره، وترتيب أجناده، وأوّل ما أخذ
(١) ك: قال أبو محمد بن خلدون ولما وفد ... أكرم. (٢) ك: في شراء الكتب. (٣) ج: ويسدي؛ ط ق: ويسري. (٤) انظر أزهار الرياض ٢: ٢٨٦ والنص متفق مع النفح حتى آخر قصيدة المرادي ص: ٣٩٤.