كنّاس وفرّاش متأهّبين لانتظار أبي إبراهيم، فاشتدّ عجبنا لذلك، وطال تحدثنا عنه، انتهى. فهكذا تكون العلماء مع الملوك والملوك معهم (١) ، قدس الله تلك الأرواح.
ثم توفّي الناصر لدين الله ثاني - أو ثالث - شهر رمضان، من عام خمسين وثلاثمائة، أعظم ما كان سلطانه، وأعزّ ما كان الإسلام بملكه.
قال ابن خلدون: خلف الناصر في بيوت الأموال خمسة آلاف ألف ألف ألف ثلاث مرات، انتهى.
وقال غير واحد (٢) : إنّه كان يقسم الجباية أثلاثاً: ثلث للجند، وثلث للبناء، وثلث مدّخر، وكانت جباية الأندلس يومئذ من الكور والقرى خمسة آلاف ألف وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار، ومن السوق والمستخلص سبعمائة ألف وخمسة وستين ألف دينار، وأمّا أخماس الغنائم العظيمة فلا يحصيها ديوان.
وحكي (٣) أنّه وجد بخط الناصر - رحمه الله - أيام السرور التي صفت له دون تكدير يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا ويوم كذا من كذا، وعدّت تلك الأيام فكانت أربعة عشر يوماً، فاعجب أيهاالعاقلهذه الدّنيا وعدم صفائها، وبخلها بكمال الأحوال لأوليائها، هذا الخليفة الناصر حلف السعود، المضروب به المثل في الارتقاء في الدينا والصعود، ملكها خمسين سنة وستة - أو سبعة - أشهر وثلاثة أيّام، ولم تصف له إلا أربعة عشر يوماً، فسبحان ذي العزّة القائمة، والمملكة الدائمة، لا إله إلا هو.