للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

شأنه، ومضى الخصي يهينم متضاجراً من توقّفه، فلم يك إلا ريثما أدّى جوابه، وانصرف سريعاً ساكن الطيش، فقال له: يا فقيه، أنهيت قولك على نصّه إلى أمير المؤمنين أبقاه الله، فأصغى إليه، وهو يقول لك: جزاك الله خيراً عن الدين وعن أمير المؤمنين وجماعة المسلمين، وأمتعهم بك، وإذا أنت أوعبت (١) فامض إليه راشداً إن شاء الله تعالى، وقد أمرت أن أبقى معك حتى ينقضي شغلك وتمضي معي، فقال له: حسن جميل، ولكني أضعف عن المشي إلى باب السّدّة، ويصعب عليّ ركوب دابة لشيخوختي وضعف أعضائي، وباب الصناعة الذي يقرب إليّ من أبواب القصر المكرّم أحوط وأقرب وأرفق بي، فإن راى أمير المؤمنين - أيّده الله تعالى - أن يأمر بفتحه لأدخل إليه منه هوّن علي المشي، وودع جسمي، وأحب أن تعود وتنهي إليه ذلك عني حتى تعرف رأيه فيه، وكذلك تعود إليّ فإنّي أراك فتى سديداً، فكن على الخير معيناً. ومضى عنه الفتى، ثم رجع بعد حين وقال: يا فقيه، قد أجابك الأمير إلى ما سألت، وأمر بفتح باب الصناعة وانتظارك من قبله، ومنه خرجت إليك، وأمرت بملازمتك مذكراً بالنهوض عند فراغك، وقال: افعل راشداً؛ وجلس الخصيّ جانباً حتى أكمل أبو إبراهيم مجلسه كأفسح (٢) ما جرت به عادته غير منزعج ولا قلق، فلمّا انفضضنا عنه قام إلى داره فأصلح من شأنه ثمّ مضى إلى الخليفة الحكم فوصل إليه من ذلك الباب، وقضى حاجته من لقائه، ثم صرفه على ذلك الباب، فأعيد إغلاقه على إثر خروجه. قال ابن مفرّج: ولقد تعمدّنا في تلك العشيّة إثر قيامنا عن الشيخ أبي إبراهيم المرور بهذا الباب المعهود إغلاقه بدبر (٣) القصر لنرى تجشّم الخليفة له، فوجدناه كما وصف الخصي مفتوحاً (٤) ، وقد حفّه الخدم والأعوان منزعجين ما بين


(١) ك: أوعيت.
(٢) ك: بأكمل وأفسح.
(٣) في الأصول: بدير.
(٤) ك: مفتوحاً كما وصف.

<<  <  ج: ص:  >  >>