للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فنقول: هو محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي التلمساني، يكنى أبا عبد الله، ويلقب من الألقاب المشرقية بشمس الدين.

قال أبو الحسن على ابن لسان الدين ابن الخطيب في حقه: سيدي وسند أبي، فخر المغرب، وبركة الدول وعلم الأعلام، ومستخدم السيوف والأقلام، ومولى أهل المغرب على الإطلاق، أبقاه الله تعالى وأمتع بحياته وأعانني على ما يجب في حقه، قاله تربيته وولده علي ابن المؤلف، انتهى، يعني ابن الخطيب.

وقال لسان الدين: هذا الرجل من طرق دهره ظرفاً وخصوصية ولطافة، مليح التوسل، حسن اللقاء، مبذول البشر، كثير التودد، نظيف البزة، لطيف التأني، خير البيت، طلق الوجه، خلوب اللسان، طيب الحديث، مقدر الألفاظ، عارف بالأبواب، درب على صحبة الملوك والأشراف، متقاض (١) لإيثار السلاطين والأمراء يسحرهم بخلابة لفظه، ويفتلهم في الذروة والغارب بتنزله، ويهتدي إلى أغراضهم الكمينة بحذقه، ويصطنع غاشيتهم بتلطفه ممزوج الدعابة بالوقار والفكاهة بالنسك والحشمة بالبسط، عظيم المشاركة لأهل وده والتعصب لإخوانه، آلف مألوف كثير الأتباع والعلق، يسخر الرقاع في سبيل الوساطة، مجدي الجاه، غاص المنزل بالطلبة، منقاد للدعوة، بارع الخط أنيقه، عذب التلاوة متسع الرواية، مشارك في فنون من أصول وفروع وتفسير، يكتب ويشعر ويقيد ويؤلف، فلا يعدو السداد في ذلك، فارس منبر غير جزوع ولا هلوع، رحل إلى المشرق في كنف حشمة من جناب والده رحمه الله تعالى فحج وجاور ولقي الجلة، ثم فارقه وقد عرف بالمشرق حقه، وصرف وجهه إلى المغرب، فاشتمل عليه السلطان أبو الحسن أميره اشتمالاً خلطه بنفسه، وجعله مفضى سره وإمام جمعه وخطيب منبره وأمين رسالته، فقدم في غرضها على الأندلس أواخر عام ثمانية وأربعين


(١) الإحاطة: متعاط؛ ص: متغاض.

<<  <  ج: ص:  >  >>