للأوقات، حريصاً على الإفادة، ثم ولي القضاء بغرناطة المحروسة (١) سنة ٧٣٧، فقام بالوظائف وصدع بالحق وبهرج الشهود فزيف منهم ما يزيد على سبعين، واستهدف بذلك إلى معاداة ومناضلة خاض ثبجها وصادم تياره، غير مبال بالمغبة ولا حافل بالتبعة، فناله لذلك من المشقة والكيد العظيم ما نال مثله، حتى كان لا يمشي إلى الصلاة ليلاً ولا يطمئن على حاله، وجرت له في ذلك حكايات، إلى أن عزم عليه الأمير أن يرد للعدالة بعض من أخره، فلم يجد في قناته مغمزاً ولا في عوده معجماً، وتصدر لبث العلم بالحضرة، يقرئ فنوناً جمة، فنفع وخرج وأقرأ القرآن ودرس الفقه والأصول والعربية والفرائض والحساب، وعقد مجالس الحديث شرحاً وسماعاً على انشراح صدره وحفظ تجمل وخفض جناح، قال القاضي ابن الحسن (٢) : إنه كان صاحب عزم ومضاء، وحكم صادع وقضاء أحرق قلوب الحسدة، وأعز الخطة بإزالة الشوائب، وذهب وفضض الحق بمعارفه، ونذف في المشكلات، وثبت في المعضلات، واحتج وبكت، وتفقه ونكت. وحدثنا صاحبنا أبو جعفر الشقوري قال (٣) : كنت جالساً بمجلس حكمه، فرفعت رقعة مضمنها أنها محبة في مطلقها، وتبتغي الشفاعة لها في ردها، فتناول الرقعة، ووقع على ظهرها بلا مهلة: الحمد لله، من وقف على ما بالقلوب فليصخ لسماعه إصاخة معيث، وليشفع للمرأة عند زوجها (٤) تأسياً بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لبريرة في مغيث (٥) ، والله يسلم لنا العقل والدي، ويسلك بنا سبيل المهتدين، والسلام من كاتبه.
(١) لعل اللفظة هنا يقابلها لفظة " محرم " في نيل الابتهاج. (٢) هذا موافق لما في نيل الابتهاج نصا ولكنه عن المرقبة العليا بالمعنى. (٣) انظر المرقبة العليا: ١٤٥. (٤) المرقبة: مفارقها. (٥) بريرة: جارية عائشة، ومغيث زوجها، فلما أعتقت بريرة وهو ما يزال على الرق اختارت مفارقته فجاء إلى النبي يبكي ويسأله أن يشفع له عندها.