للنظر من لا يعزب عن حفظه مكان، ولا يختصّ بحفظه إنسان دون إنسان، خلفة له النفس العمرية، والآراء العمرية، والفراسة الإياسية، ولا ينبئك مثل خبير، فلقد شاهد العبد ما لا يحصره تفسير، ولعمري لقد عاد الصباح في إشراق النهار، ولم يخف عنا ما زاد الدنيا من البهجة (١) والمسار، وشملت الناس هذه البشائر، وعمّت كل باد وحاضر، وأصاخوا لتاليها إصاخة المجد بين لمرتادهم، وأهطعوا لها مهللين ومكبرين إهطاع الناس لأعيادهم، وأما العبد فقد أخذ بحظه، حتى خاف أن يغلب السرور على قلبه ولحظه:
ومن فرح النفس ما يقتل (٢) ... وهذه نعمة يقصر عنها النثر والنظم، ويحسد عليها الهلال والنجم، بل يسلمان لما استحقته من المراتب، ويخضعان إليها خضوع المفترض الواجب، أقرّ الله بها عيون المسلمين، وأفاض سحبها على الناس أجمعين، وحفظها بعينه التي لا تنام، ووقف على خدمتها الليالي والأيام.
[من شعر أبي عمران ابن سعيد]
ولما قدم من الأندلس على تونس مدح سلطانها أبا زكريا بقوله:
بشرى ويسرى قد أنار المظلم ... نجماً وقد وضح الصباح المعلم
ورنت عيون الأمن وهي قريرةٌ ... وبدت ثغور السّعد وهي تبسّم
فارحل لتونس واعتقد أعلام من ... قوي الضعيف به وأثرى المعدم
حيث المعالي والمعاني والنّدى ... والفضل والقوم الذي هم هم
أجروا إلى الغايات ملء عنانهم ... سبقاً وبذّهم الجواد المنعم
(١) ق: البهجات. (٢) عجز بيت للمتنبي، وصدره: فلا تنكرن لها صرعة.